
بين الشعب والسلطة: حين تتحوّل العاطفة إلى ورقة ضغط.
في خضم المشهد السوري المتشابك، تبرز أحياناً أصوات من داخل التيارات ذاتها التي كانت يوماً جزءاً من السلطة الفعلية على الأرض. من بين هذه الأصوات، يطرح صالح الحموي، القيادي السابق في هيئة تحرير الشام، رواية حادة ومشحونة بالتحذير، موجهاً انتقادات مباشرة إلى السيد أحمد الشرع رئيس الجمهورية العربية السورية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
الحموي لا يكتفي بوصف خلاف أو تباين في الرؤية، بل يرسم صورة لنهج سياسي يقوم—بحسب رأيه—على توظيف الشارع كورقة تفاوض، لا كقضية يجب حمايتها. ففكرة إخراج الناس في مظاهرات أو حتى تحركات مسلحة تحت عنوان “مواجهة إسرائيل”، تُطرح هنا ليس كفعل مقاومة بقدر ما هي رسالة غير مباشرة إلى أطراف دولية، مفادها أن السيطرة على الأرض والناس لا تزال مشروطة ببقاء القيادة الحالية.
هذا الطرح يفتح باباً خطيراً للنقاش: هل يمكن للسلطة، أياً كان شكلها، أن تضع جمهورها في مواجهة مفتوحة لتثبيت شرعيتها؟ أم أن ذلك يعكس أزمة عميقة في تعريف هذه الشرعية نفسها؟
ما يزيد من حدة الانتقاد هو الربط بين هذا السلوك وبين نمط حياة القيادة. فالإشارة إلى مظاهر الرفاه، في مقابل الفقر المدقع الذي يعيشه السوريون، ليست تفصيلاً عابراً. بل هي، في نظر الحموي، دليل على فجوة أخلاقية قبل أن تكون سياسية. حين يتحدث عن ساعات باهظة الثمن أو تنقلات خارجية، فهو لا يهاجم الرفاه بحد ذاته، بل يضعه في سياق التناقض مع واقع المخيمات، حيث الجوع والماء والبرد هي العناوين اليومية.
اللافت أيضاً في هذا الخطاب هو استدعاء التجارب القريبة: السويداء، الساحل، وغيرها من المناطق التي شهدت تحركات شعبية أو توترات، والتي انتهت—وفق هذه القراءة—بخسائر بشرية دون نتائج ملموسة. هنا يتحول التحذير من مجرد رأي إلى محاولة لتشكيل وعي جمعي يقول: “لا تكرروا الخطأ”.
لكن، بعيداً عن حدّة اللغة، يظل السؤال الأهم: هل نحن أمام صراع على النفوذ داخل بنية واحدة، أم أمام مراجعة حقيقية لمسار كامل؟
الفرق بين الحالتين جوهري؛ فالأولى تعني إعادة توزيع أدوار، بينما الثانية تعني تغييراً في قواعد اللعبة نفسها.
في النهاية، ما يطرحه صالح الحموي—بغض النظر عن دوافعه—يلامس إشكالية مركزية في الحالة السورية:
حين تصبح السياسة لعبة بقاء، قد يتحول الناس من أصحاب قضية إلى أدوات ضمن معادلة أكبر منهم.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية… ليس فقط في القرارات، بل في الثمن الذي قد يدفعه من لا يملكون ترف الاختيار.