
بين التدين والاستعراض:
هل تُخدم مسيرات التكبير صورة الدين أم تُربك المجتمع؟..
في المجتمعات الخارجة من الحرب والانقسام، تصبح الرموز العامة أكثر حساسية من أي وقت مضى. فكل فعل جماعي في الفضاء العام لا يُقرأ بوصفه ممارسة دينية مجردة، بل بوصفه رسالة سياسية واجتماعية وثقافية أيضاً. ومن هنا يبرز الجدل حول مسيرات التكبير التي ظهرت في بعض الأسواق والأحياء السورية، ومنها أماكن ذات تنوع ديني واجتماعي واضح...
المسألة هنا لا تتعلق بالحكم على التدين أو الاعتراض على الشعائر الإسلامية بحد ذاتها؛ فالإسلام، تاريخياً ونصاً وتجربةً، لم يكن ديناً يقوم على إثبات حضوره عبر احتلال المجال العام أو رفع الصوت بقدر ما يقوم على بناء الإنسان وإقامة العدل وإشاعة الطمأنينة...
والسؤال الذي يستحق النقاش ليس: - هل التكبير مشروع؟..
بل:
- هل تحويله إلى مسيرات في الأسواق والأحياء المختلطة هو الوسيلة الأنسب والأكثر انسجاماً مع مقاصده؟..
عموماً:
من الناحية الدينية، لا تبدو هذه المسيرات واجباً شرعياً ولا ركناً من أركان التعبد، وهي ليست شرطاً لظهور الإسلام أو استمراره في المجتمع، فالمسلمون عبر قرون طويلة عاشوا تدينهم في المساجد والبيوت والأسواق من دون الحاجة إلى تحويل الشعائر إلى استعراض جماهيري متنقل، وإذا كانت الغاية التعبير الجماعي عن الفرح الديني أو الهوية الروحية، فإن ذلك يمكن أن يتحقق في المساجد والساحات المخصصة والمناسبات المنظمة، من دون إرباك الحياة العامة أو فرض تجربة دينية مباشرة على من لا يشارك فيها...
وفي هذا السياق، يبرز سؤال التنظيم المدني:
- إذا كانت هذه المبادرات أهلية وغير صادرة عن الدولة أو مؤسساتها الرسمية، فهل يعني ذلك إعفاءها من قواعد المجال العام؟..
* الجواب المنطقي هو لا، فالمجتمع المدني لا يكتسب شرعيته من نبل النوايا فقط، بل من احترامه للمشترك العام، لأن المعيار الذي يجب أن يُطبق على الجميع "إسلاميين، مسيحيين، شيعة، أو أي جماعة أخرى" هو معيار القانون والتنظيم المسبق والمساواة أمام المجال العام...
أما البعد الأكثر حساسية، فهو انعكاس هذه الظاهرة على السلم الأهلي، خصوصاً عندما تُنظم مسيرات دينية ذات طابع تعبوي داخل أحياء ذات أغلبية دينية مختلفة، هنا لا يكفي أن تكون النية حسنة، فالمجتمعات لا تُدار بالنوايا بل بالأثر. وما قد يراه المشاركون تعبيراً مشروعاً عن الفرح الديني، قد يراه سكان المكان نوعاً من فرض الرمزية أو رسالة هيمنة أو استفزاز غير مقصود. وفي بلد كسورية، حيث الذاكرة الجماعية مثقلة بالخوف والاستقطاب، تصبح المسؤولية مضاعفة...
كل هذا هذا لا يعني الدعوة إلى إقصاء الدين من الحياة العامة، بل إلى التمييز بين حضور الدين بوصفه قيمة أخلاقية جامعة، وبين تحويله إلى أداة عرض في أماكن ليست مهيأة للدعوة المباشرة أو لإظهار الغلبة الرمزية، فالدين حين يدخل المجال العام يحتاج إلى حساسية اجتماعية بقدر حاجته إلى الحماسة الإيمانية...
كما أن من غير المنصف أن يُدان شكل من أشكال الحضور الديني اليوم بينما جرى التسامح سابقاً مع مظاهر دينية مماثلة لجماعات أخرى اقصد:
إذا كان المبدأ هو رفض تسييس الشعائر أو ضبط استخدامها في الفضاء العام، فيجب أن يكون هذا المبدأ عاماً لا انتقائياً، فإزدواجية المعايير لا تنتج دولة مواطنة، بل تُنتج شعوراً متبادلاً بالاستهداف، وهنا لابد أن نقول إن العاقل لا يتصرف بردود الافعال، ثم تقولون انكم قمتم بثورة وماذا تعني هذه الثورة إذا غيرنا الشكل وتلقينا على المضمون اقصد وبشكل مباشر هل نكون مع ثورة عندما نستبدل اللطميات الشيعية بالاستعراضات السنية، نزلت ورب الكعبة هزلت..
في النهاية:
لا تُقاس قوة الإسلام ولا مكانته في سوريا بعدد المسيرات ولا بدرجة ارتفاع الصوت، بل بقدر ما يزرعه في حياة الناس من أمن وعدل واحترام متبادل، فالمجتمعات المستقرة لا تحتاج إلى إثبات إيمانها في الشوارع؛ يكفي أن يظهر الإيمان في أخلاق الناس، وفي قدرتهم على أن يجعلوا المختلف يشعر أنه شريك لا ضيف، ومواطن لا متلقٍ لرسائل الهوية من فوق.