
بين “التهديد النووي” وسؤال الحقيقة: قراءة نقدية في خطاب القوة.
في أوقات التوتر الدولي، تميل السرديات السياسية إلى التبسيط المخلّ، حيث تتحول فرضيات غير مثبتة إلى مسلّمات، وتُبنى عليها قرارات قد تغيّر مصير دول وشعوب. في هذا السياق، يكتسب صوت شخصيات ذات خبرة تقنية ودولية مثل الدكتور محمد البرادعي أهمية خاصة، ليس لأنه يملك “الحقيقة المطلقة”، بل لأنه يطرح أسئلة جوهرية غالباً ما تُهمَّش في زحمة الخطاب السياسي.
البرادعي، الذي قاد الوكالة الدولية للطاقة الذرية لسنوات، يستند في ملاحظاته إلى خبرة طويلة في ملفات حساسة، خصوصاً ملفي العراق وإيران. جوهر طرحه يتمحور حول نقطة بسيطة لكن خطيرة: الحذر من تحويل الافتراضات إلى مبررات لحرب. فالتاريخ القريب علّم العالم أن ادعاءات وجود برامج تسلح غير تقليدية، عندما تُستخدم دون تحقق صارم، يمكن أن تقود إلى كوارث إنسانية وسياسية، كما حدث في العراق.
من هذه الزاوية، يلفت البرادعي الانتباه إلى أن الحديث عن “اقتراب إيران من امتلاك سلاح نووي” يجب أن يُقاس بمعايير تحقق واضحة، لا أن يُبنى على تقديرات استخباراتية قابلة للتأويل. هذه الفكرة ليست جديدة في حد ذاتها، لكنها تكتسب ثقلها حين تصدر عن مسؤول دولي سابق كان في قلب آليات التحقق والتفتيش، أي من داخل النظام نفسه الذي يُفترض أنه يتحقق من هذه الادعاءات.
لكن هنا يبرز سؤال مهم: هل يقدّم البرادعي حقيقة مطلقة، أم يقدّم قراءة نقدية تستحق الاستماع دون أن تُعتبر حكماً نهائياً؟
الجواب، في تقديري، هو الثاني. فموقفه، رغم وجاهته، يبقى تعبيراً عن منظور مهني وسياسي يتبنى مبدأ الحذر الشديد من استخدام القوة في غياب أدلة قاطعة. وهو في ذلك ينسجم مع مدرسة فكرية ترى أن الحرب يجب أن تكون “الخيار الأخير جداً”، وليس وسيلة للضغط أو إعادة تشكيل الأنظمة السياسية.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن السرديات الرسمية لأي دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة، تقوم أحياناً على تقديرات أمنية قد تكون صحيحة أو خاطئة. المشكلة ليست فقط في “وجود الدليل”، بل في كيفية تفسير هذا الدليل، وفي التوازن بين الأمن القومي والالتزام بالقانون الدولي. وهنا يكمن جوهر الجدل: هل يمكن اتخاذ قرار حاسم في بيئة يختلط فيها اليقين بالشك؟
ما يطرحه البرادعي، في جوهره، هو دعوة لإعادة الاعتبار لمنطق التحقق والتفكير البطيء في مواجهة اندفاع القرارات السريعة. وهو يذكّر بأن القانون الدولي، مهما كانت نقاط ضعفه، وُجد ليكون إطاراً يحد من اندفاع القوة، لا ليتم تجاوزه عند أول اختبار سياسي.
ومع ذلك، تبقى هناك مساحة للنقاش: فبعض صناع القرار يرون أن التهديدات، حتى لو كانت غير مؤكدة بالكامل، تستدعي التحرك الوقائي. هذه المقاربة، التي تُعرف بمنطق “الاستباق”، كانت وما زالت محل جدل أخلاقي وقانوني واسع. وبين هذين المنهجين—الحذر المطلق من الحرب، والاستعداد لاتخاذها استباقياً—تتحرك السياسات الدولية في منطقة رمادية معقدة.
في النهاية، قيمة الطرح الذي قدمه البرادعي لا تكمن في كونه “الحقيقة النهائية”، بل في كونه يفتح نافذة على أسئلة لا ينبغي تجاهلها: هل لدينا دليل كافٍ؟ هل استنفدنا كل الخيارات السلمية؟ وما الثمن الإنساني لأي قرار نتخذه؟
هذه الأسئلة، في عالم مضطرب، قد تكون أهم من الإجابات الجاهزة.