بين التشريع والإرادة الشعبية... هل يُشرعن الإعلان الدستوري أم يُستفتى عليه

Salah Kirata • ٢٠‏/٧‏/٢٠٢٦

59068.png

بين التشريع والإرادة الشعبية...
 هل يُشرعن الإعلان الدستوري أم يُستفتى عليه؟.

أعاد الباحث في الشأن الدستوري محمود سليمان تسليط الضوء على واحدة من أهم القضايا التي تواجه المرحلة الانتقالية في سورية، حين أكد أن من أولويات مجلس الشعب الجديد الإسراع في إصدار القوانين التي أحال إليها الإعلان الدستوري، بما يحول أحكامه إلى تشريعات نافذة تدخل حيز التطبيق، وأن المحكمة الدستورية العليا ستتولى مراقبة توافق هذه التشريعات مع الإعلان الدستوري باعتباره المرجعية الدستورية المؤقتة...

وبغض النظر عن سلامة هذا الطرح من الناحية الإجرائية، فإن القضية الأعمق ليست في كيفية تحويل نصوص الإعلان الدستوري إلى قوانين، وإنما في الأساس الذي يستند إليه هذا الإعلان نفسه، ومدى تمتعه بالمشروعية السياسية والدستورية والشعبية التي تؤهله ليكون منبعاً للتشريع ومصدراً للإلزام...

فإذا كان الاتجاه السائد داخل مؤسسات المرحلة الانتقالية هو إكساب الإعلان الدستوري غطاءً قانونياً عبر إصدار حزمة من التشريعات المستندة إليه، فإن هذا المسار، في تقديري، لا يحل الإشكالية، بل قد يعمقها، كون القوانين تستمد قوتها من الشرعية الدستورية، والدستور يستمد شرعيته من الشعب، وليس العكس...

إن تحويل مواد الإعلان الدستوري إلى قوانين نافذة لا يمنح الإعلان ذاته شرعية تلقائية، بل قد يبدو وكأنه التفاف على الإرادة الشعبية، ومحاولة لإضفاء المشروعية القانونية على وثيقة لم تمر، حتى الآن، عبر الطريق الطبيعي الذي يمنحها القبول العام، والمتمثل في الاستفتاء الشعبي الحر والعلني والشفاف...

إن الإرادة الشعبية تسبق كل إعلان، وتتقدم على كل مرسوم، وتعلو على كل اجتهاد سياسي. فهي المصدر الحقيقي للشرعية في أي نظام ديمقراطي، وهي وحدها التي تمنح الدستور مكانته باعتباره العقد الاجتماعي الذي يحتكم إليه الجميع، حكاماً ومحكومين.

ومن هذا المنطلق، فإنني أرى أن مجلس الشعب، وهو السلطة التشريعية، ينبغي أن يوجه جهده نحو إعداد البيئة القانونية والسياسية التي تقود إلى صياغة دستور دائم يمثل جميع السوريين، ثم عرضه على الشعب ليقول كلمته الفصل عبر استفتاء حر ونزيه. أما الانشغال بتشريع أحكام إعلان دستوري مختلف حول مشروعيته، فقد يرسخ واقعاً قانونياً لا يحظى بالإجماع الوطني، ويزيد من تعقيد المرحلة بدلاً من تجاوزها...

إن سورية اليوم ليست بحاجة إلى تراكم النصوص القانونية بقدر حاجتها إلى ترسيخ الشرعية. فالشرعية لا تُسن بقانون، ولا تُفرض بقرار، وإنما تُستمد من رضا الشعب واختياره الحر. وكل محاولة لعكس هذه القاعدة تضع البناء الدستوري برمته على أرضية قابلة للطعن السياسي والقانوني والأخلاقي...

إن الدولة التي نطمح إليها جميعاً يجب أن تقوم على دستور يصنعه السوريون بإرادتهم الحرة، لا على نصوص انتقالية تتحول مع الزمن إلى أمر واقع بقوة التشريع، فالقوانين يجب أن تكون ثمرة الدستور، والدستور يجب أن يكون ثمرة إرادة الأمة، لا ثمرة المرحلة الانتقالية...

ولذلك، فإن الطريق الأكثر أماناً لسورية، والأكثر احتراماً لتضحيات شعبها، هو أن تكون الأولوية لإنجاز دستور دائم يحظى بتوافق وطني واسع، ويُعرض على الاستفتاء الشعبي، فتنبثق عنه جميع السلطات والتشريعات. أما غير ذلك، فإنه يبقى، في نظر كثيرين، معالجة للإجراءات قبل معالجة أصل الشرعية، وهو ما قد يفتح الباب أمام جدل دستوري وسياسي لن ينتهي إلا بعودة الكلمة إلى صاحبها الحقيقي... الشعب السوري...
اخيراً:
"قد تستطيع السلطة أن تُصدر القوانين، لكنها لا تستطيع أن تُصدر الشرعية، فالشرعية لا تُكتب في الجريدة الرسمية، بل تُكتب في صناديق الاقتراع، يوم يقول الشعب كلمته الحرة في دستور اختاره بنفسه."