--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

بين التسويات المعلّقة والعدالة الانتقائية… سورية التي تُمسك برقبتها الذاكرة لا القانون

Salah Kirata • ٨‏/٥‏/٢٠٢٦

31696.png

بين التسويات المعلّقة والعدالة الانتقائية… سورية التي تُمسك برقبتها الذاكرة لا القانون.

منذ اللحظة التي أحكمت فيها هيئة تحرير الشام ومن دار في فلكها من تشكيلات ذات مرجعيات جهادية قبضتها على مساحات واسعة من الجغرافيا السورية، برز سلوك أمني لا يمكن عزله عن منطق “التمكين” أكثر من كونه منطق دولة. فبدلاً من أن يكون الانتقال نحو سلطة جديدة مدخلاً لتثبيت الاستقرار وطيّ صفحات الحرب عبر مسار عدالة واضح وشفاف، بدا أن المقاربة الأمنية اتجهت في كثير من الحالات إلى ملاحقة أفراد لم يكن لهم موقع في دوائر القرار، بل كانوا في أدنى السلم العسكري أو الإداري.

في بلدات ومدن مختلفة، جرى الحديث عن اعتقالات طالت ضباطاً صغاراً، بعضهم لم يكن سوى منفّذ لأوامر عسكرية ضمن بنية نظام انهار لاحقاً، ولم يُسجَّل على عدد كبير منهم أنهم اختاروا طريق التخفي أو حمل السلاح بعد سقوط السلطة. بل على العكس، ذهبوا إلى ما سُمّي “تسويات” أو “تسويات وضع”، ظنّاً منهم أن الاعتراف بالواقع الجديد والتزام شروطه سيشكّل ضمانة لسلامتهم الشخصية، ويفتح باباً للانتقال إلى حياة مدنية طبيعية بعد سنوات من الحرب.

لكن المفارقة التي تفرض نفسها هنا ليست في سقوط نظام سياسي فحسب، بل في هشاشة مفهوم الالتزام بالاتفاقات في لحظة انتقالية مضطربة. إذ كيف يمكن لدولة أو سلطة أمر واقع أن تطلب من الأفراد تسليم أنفسهم أو تسوية أوضاعهم، ثم تعيد فتح ملفاتهم الأمنية على نحو انتقائي، وكأن ما جرى لم يكن سوى هدنة مؤقتة لا عقداً اجتماعياً جديداً؟

في المقابل، يبرز مشهد آخر لا يقل دلالة، يتعلق بكبار رموز النظام الساقط، وفي مقدمتهم بشار الأسد ومحيطه القيادي، الذين خرجوا من المشهد السياسي والعسكري في ظروف مختلفة، بعضهم غادر البلاد تحت ترتيبات معقّدة، دون أن يواجهوا المسار ذاته من الملاحقة الفردية المباشرة التي طالت صغار المنفذين. هذا التباين يطرح سؤال العدالة الذي لا يمكن تجاهله: لماذا يُترك مركز القرار أو يُعاد تدويره سياسياً أو يُغضّ الطرف عنه أحياناً، بينما يُفتح الباب لملاحقة من كانوا في هامش التنفيذ؟

الأكثر إشكالية في هذا السياق أن كثيراً من هؤلاء الضباط والعناصر لم يكونوا مجرد أدوات عمياء، بل كانوا يعتقدون فعلاً، في سياق خطاب رسمي طويل ومكثف، أنهم يخوضون حرباً دفاعية عن الدولة السورية في مواجهة ما قُدِّم لهم بوصفه “مؤامرة كونية” تقودها تنظيمات مثل القاعدة وداعش وجبهة النصرة وغيرها من جماعات الإسلام السياسي المسلحة. هذا الإطار الذهني، سواء اتُّفق معه أم لا، شكّل جزءاً من بنية القرار والسلوك لدى آلاف الأفراد الذين وجدوا أنفسهم لاحقاً في موقع المُدان لا المُساءَل ضمن سياق سياسي شامل.

من هنا، لا تبدو الإشكالية في مجرد اعتقالات أو تسويات تُنتهك أو تُعاد قراءتها، بل في غياب معيار ثابت للعدالة الانتقالية، وفي تحوّل الأمن من أداة لضبط الاستقرار إلى أداة لإعادة إنتاج الخوف بصيغة جديدة. كما أن تحميل الأفراد الصغار كامل المسؤولية عن منظومة قرار معقدة، مع الإبقاء على مستويات أعلى في منأى نسبي عن المحاسبة، يخلق خللاً بنيوياً في أي مشروع يُفترض أنه يسعى إلى إعادة بناء دولة.

إن سورية، بعد كل ما مرت به، ليست بحاجة إلى إعادة توزيع أدوار الخصومة، بل إلى تفكيك منطق الخصومة نفسه. فالعدالة التي تُجزّأ بين “صغير يُحاسَب وكبير يُعاد تدويره” ليست عدالة، بل إدارة جديدة للصراع بأدوات مختلفة. وبين التسويات التي لا تُحترم، والملاحقات التي لا تُفهم معاييرها، يبقى المواطن – أيّاً كان موقعه السابق – هو الحلقة الأضعف في معادلة لم تنجح حتى الآن في التحول من منطق الحرب إلى منطق الدولة.