
بين الوعود الاقتصادية وحدود التخصص:
الحاجة إلى خطاب اقتصادي أكثر دقة وشفافية...
ليس مطلوباً من رأس الدولة أن يكون خبيراً في الاقتصاد، فذلك ليس من صميم مهامه، لكن المطلوب أن تُقدَّم له الصورة الاقتصادية كاملة وواضحة، وأن تُدار السياسات العامة بناءً على بيانات دقيقة لا على عناوين إنشائية، فنجاح أي سياسة اقتصادية لا يُقاس بما يُعلن من أرقام جذابة، بل بمدى انعكاسها الحقيقي على حياة الناس.
لذا فإنه عند الحديث عن تحسين الدخل، كرفع الرواتب أو الأجور، لا بد من وضع هذه الخطوة في سياقها الحقيقي، فالزيادة الاسمية في الرواتب قد تبدو إيجابية، لكنها تفقد معناها إن لم تُقابلها دراسة دقيقة لمعدلات التضخم وارتفاع الأسعار، لان فالقيمة الحقيقية لأي دخل تقاس بما يمكنه شراؤه، لا بعدد الأصفار المضافة إليه المحذوفة أو التي تضاف احيانا غصبا أو نتيجة سوء تقدير أو تخطيط، أو نتيجة قرارات سياسية انفعالية لاتضت في حساباتها المعطيات المهنية التي يفترض أن تكون حاضرة بقوة في اي قرار سياسي لذلك، لذا فإن أي تقييم موضوعي للأثر الاقتصادي يجب أن يربط بين الدخل والأسعار وسعر الصرف، وإلا أصبح الحديث عن التحسن مجرد صورة بلا مضمون...
أما في ما يتعلق بالموازنات العامة، فإن الإعلان عن أرقام تقديرية للمستقبل لا يكفي لإعطاء صورة حقيقية عن الوضع المالي للدولة، لأنه من الضروري أولاً الاطلاع على نتائج التنفيذ الفعلي لموازنات السنوات السابقة، لمعرفة أين ذهبت الأموال، وما هي نسب الصرف الفعلية في الجانبين التشغيلي والاستثماري، وما حجم العجز الحقيقي. والأهم من ذلك، هو فهم مصادر تمويل هذا العجز، فهل سيأتي من الضرائب، أم من الاقتراض، أم من موارد إنتاجية أو ثروات طبيعية، لان طريقة تمويل العجز لا تقل أهمية عن حجمه نفسه، لأنها تحدد استدامة الاقتصاد أو هشاشته...
وفي الحديث عن النمو الاقتصادي، لا بد من التعامل مع هذه النسبة بحذر شديد، فمعدلات النمو المرتفعة ليست مجرد أرقام تُذكر، بل هي نتيجة تراكمات إنتاجية واستقرار مؤسسي طويل الأمد، في بيئات تعاني من تحديات اقتصادية حادة، يكون تحقيق نمو مرتفع ومستدام أمراً معقداً، بل وأحياناً غير واقعي إذا لم يستند إلى بنية إنتاجية قوية وإصلاحات عميقة في القطاعات الحيوية. لذلك، فإن إطلاق توقعات طموحة دون أسس واضحة قد يؤدي إلى خلق فجوة بين التوقعات والواقع...
من ناحية أخرى، من المهم التمييز بين دور القيادة السياسية ودور الخبراء، كما قاربته في قولي اعلاه، فالمهمة الأساسية للقيادة ليست الخوض في التفاصيل الفنية الدقيقة، بل اختيار السياسات العامة، ومحاسبة من يقدم المعلومات أو التقديرات غير الدقيقة، كون الاقتصاد كما هو معلوم علم متخصص لايجوز عند الخوض فيه لا الارتجال ولا الانفعال، وهذا يتطلب إدارة مستقلة نسبياً عن الخطاب السياسي المباشر، خاصة في القضايا الحساسة مثل السياسات النقدية، وسعر الفائدة، وقيمة العملة، وأسواق المال...
وهنا نجد أن التجارب الدولية اشارت بوضوح إلى أن تدخل السياسيين المباشر في تفاصيل الاقتصاد قد يؤدي إلى نتائج عكسية، لذا فإن الحفاظ على استقلالية المؤسسات النقدية،والاعتماد على خبرات متخصصة، كان من أبرز عوامل الاستقرار في العديد من الدول. كما أن التوازن بين الخطاب السياسي والاقتصادي ضروري لتجنب إرسال إشارات مربكة للأسواق والمستثمرين...
باختصار:
لا شك أن الإعلان عن تحسينات في الأجور خطوة تُستقبل بإيجابية على المستوى الشعبي، لكنها تبقى ناقصة ما لم تُدعّم برؤية اقتصادية متكاملة، قائمة على الشفافية، وربط الأرقام بالواقع الفعلي. فالثقة في الاقتصاد لا تُبنى بالتصريحات، بل بالبيانات الموثوقة والسياسات المتسقة...
في النهاية، تبقى الغاية الأهم هي الوصول إلى اقتصاد قادر على خلق فرص حقيقية، وتحسين مستوى المعيشة بشكل مستدام. وهذا لا يتحقق إلا عبر خطاب اقتصادي دقيق، وقرارات مبنية على العلم، لا على التقدير أو التوقعات غير المدعومة. وبين طموح الأرقام وواقع الإمكانيات، تظل الشفافية هي الأساس الذي تُبنى عليه الثقة، ويُقاس به النجاح.