--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

بين الوطن والهوية الضيقة… حين تُختطف السياسة باسم الانتماء وتُشوَّه الحقيقة تحت ضغط الانفعال

Salah Kirata • ٣‏/٤‏/٢٠٢٦

18504.png

بين الوطن والهوية الضيقة…

 حين تُختطف السياسة باسم الانتماء وتُشوَّه الحقيقة تحت ضغط الانفعال:

هناك لحظات يصبح فيها الصمت تواطؤًا، ويغدو الكلام واجبًا أخلاقيًا لا ترفًا لغويًا. وحين تختلط المفاهيم بين الوطنية والهوية الفرعية، وبين النقد المشروع واستثمار الألم، يصبح لزامًا إعادة ترتيب المعاني لا بالصراخ، بل بالوضوح الصادم الذي يضع الأشياء في مكانها الصحيح.

ليس من جديد القول إن في كل مجتمع تيارات متشددة، وأخرى متهوّرة، وثالثة تعيش على ذاكرة مظلومية أو شعور دائم بالتهديد. لكن الخطر الحقيقي يبدأ حين تتحول هذه الحالات النفسية والاجتماعية إلى أدوات تفسير سياسي، تُسقط على كل حدث، وتُحوّل كل خلاف إلى مؤامرة، وكل نقد إلى استهداف، وكل نقاش إلى معركة هوية.

لقد بات واضحًا أن جزءًا من الخطاب العام اليوم لم يعد يناقش الدولة بوصفها كيانًا جامعًا، بل بات يُعيد إنتاج المجتمع على شكل جزر مغلقة: هذا "منّا" وذاك "من غيرنا"، هذا "مُخلِص" وذاك "خائن"، هذا "ضحية تاريخية" وذاك "متهم دائم". وهنا بالضبط يبدأ الانهيار الحقيقي لفكرة الوطن.

إن أخطر ما يمكن أن يُصاب به أي مجتمع هو حين تتحول الهوية الفرعية إلى عدسة وحيدة لرؤية كل شيء. عندها لا يعود الفعل السياسي فعلاً قابلاً للنقد، بل يتحول إلى حكم مسبق. ولا يعود المواطن فردًا، بل يصبح تمثيلاً لطائفة أو منطقة أو جماعة. وهكذا تُدفن السياسة تحت ركام الانطباعات الأولى، وتُستبدل الوقائع بسرديات جاهزة.

ولعل من أكثر الأخطاء تدميرًا هو الاعتقاد بأن "المظلومية" حالة ثابتة لا تُساءل. فالمظلومية، حين تتحول إلى هوية سياسية مغلقة، لا تعود بحثًا عن عدالة، بل تصبح أداة تبرير لكل شيء، بما في ذلك الانغلاق، والتعميم، ورفض الآخر. وهنا لا يعود السؤال: من ظلم من؟ بل كيف تُستخدم فكرة الظلم لإعادة إنتاج مزيد من الانقسام؟

وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن الفعل الطائفي أو الخطاب الإقصائي قد يظهر في أكثر من سياق، وأن أي تجاهل له هو شكل من أشكال الهروب من الحقيقة. لكن التعامل معه لا يكون عبر تعميم جديد، ولا عبر تحويله إلى حكم على جماعات كاملة، بل عبر تفكيكه سياسيًا وقانونيًا وأخلاقيًا، لا عبر إعادة إنتاجه في خطاب مقابل.

لقد شهدنا في أكثر من محطة كيف تتحول الاحتجاجات أو التوترات المحلية إلى قراءات متناقضة بالكامل، تُحمّل كل طرف ما ليس فيه، وتُبرئ كل طرف مما هو مسؤول عنه. في لحظة ما، يصبح رفع علم أو إنزاله، أو حادثة أمنية، أو انتشار قوة ما، مادة جاهزة لبناء سردية كاملة، تتجاوز الوقائع إلى تأويلات مطلقة، لا تقبل المراجعة.

لكن السؤال الجوهري الذي يُتجاهل دائمًا هو: هل يمكن بناء وطن على أساس الشك المتبادل؟ وهل يمكن لدولة أن تستقر إذا ظل كل طرف يرى نفسه ضحية دائمة، ويرى الآخر مشروع تهديد دائم؟

إن منطق "أنا أولاً وهويتي قبل وطنيتي" هو الطريق الأسرع لتفكيك أي كيان سياسي. لأن الوطن لا يُبنى على توازن الخوف، بل على عقد اجتماعي يعترف بالمواطن لا بالمكون، وبالحق لا بالانتماء الضيق.

ولعل أخطر ما في المشهد ليس فقط ما يُقال، بل كيف يُقال. فالكلمات حين تُطلق دون مسؤولية، تتحول إلى جدران عازلة بين أبناء البلد الواحد، وتُحوّل النقاش من مساحة تفاهم إلى ساحة إدانة متبادلة. وحينها لا يبقى من الوطن سوى الاسم.

إن بناء الأوطان لا يتم عبر استعراضات الهوية، ولا عبر تخوين الآخرين، ولا عبر تحويل التاريخ إلى سلاح يومي في المعارك السياسية. بل يتم عبر شجاعة الاعتراف بأن الجميع أخطأ، وأن الجميع مسؤول، وأن لا أحد يملك الحقيقة المطلقة، ولا أحد يحتكر الوطنية.

في النهاية:

 ليس المطلوب إنكار الهويات، بل تحريرها من سجن الاستخدام السياسي الضيق. وليس المطلوب طمس الذاكرة، بل منعها من التحول إلى وقود دائم للصراع. أما الحقيقة الكبرى التي لا مفر منها فهي أن الوطن، إن لم يكن أكبر من الجميع، فلن يكون ملكًا لأحد.