--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

بين أسماء الكمال وأسطورة الصراع: هل خُلِق الشرّ أم كُشف به الإنسان

Salah Kirata • ٤‏/٤‏/٢٠٢٦

18367.jpg

بين أسماء الكمال وأسطورة الصراع: هل خُلِق الشرّ أم كُشف به الإنسان؟.

حين يتأمل الإنسان فكرة الإله في أسمى تجلياتها الفلسفية، لا يعود الحديث مجرد إيمان تقليدي أو سرد ديني، بل يتحول إلى سؤال ميتافيزيقي ثقيل: كيف يمكن لوجودٍ يُنسب إليه الكمال المطلق—من حيث القدرة والعلم والإرادة—أن يُنتج في العالم كيانًا وظيفته المعاندة، والمشاكسة، وإغواء الإنسان نحو الانحراف؟ هل نحن أمام “خلقٍ للشيطان” فعلًا؟ أم أمام “تصميمٍ للتمييز” داخل بنية الوجود نفسها؟

في العمق الفلسفي لهذه الإشكالية، لا يكون السؤال عن الشيطان سؤالًا عن “كائن” بقدر ما هو سؤال عن “وظيفة”. فالشرّ، حين يُفهم بوصفه كيانًا مستقلًا، يبدو كأنه منافس للإرادة الإلهية، وكأن الكون مسرح صراع بين قوتين. لكن هذا التصور، رغم جاذبيته الدرامية، يضعنا أمام تناقض منطقي: كيف يمكن للقدرة المطلقة أن تنتج ندًا حقيقيًا لها؟ وكيف يمكن لواجب الوجود بذاته—إن استعرنا لغة الفلاسفة—أن يخلق ما يحدّه أو يزاحمه في سلطانه؟

هنا تبدأ الفلسفة في تفكيك “الأسطورة السطحية” للصراع، لتعيد بناء الفكرة على نحو أكثر عمقًا: ربما لم يُخلق الشر كقوة مستقلة، بل كإمكانية داخل الحرية نفسها. فوجود الإنسان الحر يقتضي، بالضرورة المنطقية، إمكانية الاختيار. وحين تكون إمكانية الاختيار حقيقية، تصبح إمكانية الانحراف جزءًا من بنية الوجود، لا كعنصر خارجي، بل كظلّ ملازم للنور.

بهذا المعنى، “الشيطان” ليس خصمًا خارج النظام الكوني، بل هو تجسيد رمزي لفكرة الانحراف الممكن، للانزياح عن المعنى، للحرية حين تنفلت من غايتها الأخلاقية. إنه ليس قوة تنازع الإله سلطانه، بل أداة سردية كونية تُظهر الإنسان في لحظة اختياره، لا في حالة الإكراه.

لكن لماذا يحتاج الوعي الديني—في صورته التاريخية—إلى هذا التمثيل الثنائي الحاد بين الخير والشر؟ هنا يظهر البعد التربوي والأنطولوجي معًا. فالعقل البشري، بطبيعته، لا يستوعب المطلق إلا عبر ثنائيات: نور/ظلام، هدى/ضلال، جنة/نار. وكأن الحقيقة المطلقة، حين تنزل إلى مستوى التجربة الإنسانية، تضطر إلى أن تتشظى إلى رموز متقابلة حتى تصبح قابلة للفهم.

ومن زاوية أخرى، يمكن قراءة هذا البناء بوصفه تأسيسًا لفكرة المسؤولية الأخلاقية. إذ لا معنى للجزاء إن لم يكن هناك إمكان حقيقي للانحراف، ولا معنى للعدالة إن كان الفعل الإنساني مجرد امتداد لإرادة مفروضة. وهنا يصبح “الشر” شرطًا منطقيًا لظهور العدالة، لا نقيضًا للقدرة الإلهية.

إن المفارقة الكبرى ليست في وجود الشر، بل في سوء فهم طبيعته. فحين يتحول الشر إلى “فاعل مستقل” في المخيلة، يبدو الكون كأنه ساحة حرب بين قوتين متكافئتين. أما حين يُفهم بوصفه “احتمالًا داخل الحرية”، يعود النظام الكوني إلى اتساقه: لا صراع في السماء، بل اختبار في الإنسان.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن فكرة الشيطان ليست إعلان تحدٍّ للقدرة الإلهية، بل هي—في أحد أعمق أبعادها—مرآة تكشف هشاشة الإنسان أمام حريته. فالمعركة ليست بين خالق ومخلوق منافس، بل بين الإنسان وإمكاناته حين تُترك بلا حتمية.

وهكذا، يتحول السؤال من: “لماذا خُلِق الشيطان؟” إلى سؤال أعمق وأكثر إزعاجًا: “لماذا خُلق الإنسان بحيث يمكنه أن يحتاج إلى فكرة الشيطان كي يفهم نفسه؟”

في النهاية، ربما لا يكون الشر قصة صراع في الخارج، بل فصلًا في داخل الوعي الإنساني نفسه؛ فصلًا لا يكتمل إلا حين يدرك الإنسان أن الحرية، حين تُمنح بلا قيود، لا تنتج القداسة تلقائيًا… بل تنتج الإمكانين معًا: السقوط والارتقاء.