
بين استعادة السياسة ومخاطر التبسيط: قراءة نقدية في بيان "الجبهة الليبرالية في التل".
في لحظة سورية شديدة الحساسية، حيث تتكثف الأسئلة الكبرى حول شكل الدولة ومعنى التمثيل وحدود السلطة، يأتي بيان "الجبهة الليبرالية في مدينة التل" كمحاولة واضحة لإعادة إدخال السياسة إلى المجال العام، بعد سنوات طويلة من تغييبها أو تشويهها. لا يقدّم البيان نفسه كحالة احتجاجية عابرة، بل كملامح مشروع سياسي يسعى إلى البناء، والتنظيم، والتوسّع، وهو ما يمنحه أهمية تتجاوز حجمه الفعلي.
اللافت في البيان أنه لا ينطلق من فراغ، بل يستند إلى سردية وطنية جامعة، يستحضر فيها رموزاً مثل إبراهيم هنانو وصالح العلي وسلطان باشا الأطرش، في محاولة واعية لإعادة ترميم فكرة "السوريين كجماعة سياسية واحدة". هذا الاستدعاء ليس مجرد تزيين بلاغي، بل يعكس إدراكاً بأن أي مشروع جديد لا يمكن أن يقوم دون أرضية رمزية مشتركة، خاصة في مجتمع تعرض لتصدعات عميقة.
إلى جانب ذلك، يبرز البيان بوضوح في تبنيه لخطاب مدني صريح: الدفاع عن التعددية، التأكيد على حقوق المرأة بوصفها "خطاً أحمر"، والدعوة إلى تحالفات واسعة بين القوى الليبرالية والديمقراطية. هذه العناصر، مجتمعة، تعكس محاولة للخروج من ثنائيات الاستقطاب الحاد، وإعادة تعريف العمل السياسي بوصفه شراكة لا صراع إلغاء.
غير أن أهمية هذا الطرح لا تلغي الحاجة إلى مساءلته. فبينما يبدو الخطاب متماسكاً من حيث القيم، تبرز أسئلة جدية حول مستوى ترجمته إلى برنامج سياسي قابل للتنفيذ.
أول هذه الأسئلة يتعلق بطبيعة الرهان على الانتخابات المحلية كنقطة انطلاق. من حيث المبدأ، يشكّل هذا الطرح نقلة نوعية نحو العمل المؤسساتي، ويعيد الاعتبار لفكرة أن التغيير يبدأ من الإدارة المحلية لا من الشعارات الكبرى. لكن هذا الرهان يفترض وجود بيئة تنظيمية وإجرائية قادرة على استيعابه: أطر قانونية واضحة، آليات إشراف مستقلة، وثقافة سياسية تقبل التنافس. دون ذلك، قد تتحول الدعوة إلى الانتخابات إلى شعار أكثر منها أداة.
ثاني الإشكالات يكمن في مسألة الوزن الحقيقي. فالبيان يتحدث عن دعم شعبي واسع، لكن هذا الدعم يظل، في غياب بنية تنظيمية ظاهرة أو حضور ميداني قابل للقياس، أقرب إلى الانطباع منه إلى المعطى السياسي. وفي الحالة السورية، حيث يعاد تشكيل المجال العام من الصفر تقريباً، تصبح مسألة "من يمثل من" سؤالاً مركزياً لا يمكن تجاوزه.
ثالثاً، يلحظ في البيان نوع من التوتر بين لغته الليبرالية الداعية إلى التعدد والتحالف، وبين نبرة تصعيدية حادة في بعض مفاصله، خاصة فيما يتعلق بالمواجهة مع السلطات المحلية أو بملف العدالة. هذا التداخل قد يعكس صدقاً عاطفياً، لكنه سياسياً يحتاج إلى ضبط دقيق، لأن بناء تحالفات واسعة يتطلب خطاباً يفتح المساحات، لا يضيّقها منذ البداية.
أما العدالة الانتقالية، التي يطرحها البيان كهدف واضح، فهي تمثل أحد أكثر الملفات تعقيداً في أي سياق مشابه. من حيث المبدأ، لا يمكن تجاوزها دون الإخلال بفكرة العدالة ذاتها، لكن مقاربتها تتطلب أدوات، ومؤسسات، وتوافقات واسعة. تحويلها إلى شعار تعبوي قد يمنحها زخماً، لكنه لا يقرّبها بالضرورة من التحقق.
ومع ذلك، فإن القيمة الحقيقية لهذا البيان تكمن في مكان آخر: في كونه يعيد الاعتبار لفكرة أن السياسة ليست ترفاً، بل ضرورة. أنه يطرح، ولو بشكل أولي، أسئلة جوهرية حول من يدير المدن، وكيف يُصنع القرار، ومن يملك الشرعية. وهذه أسئلة لا يمكن لأي مجتمع أن يؤجلها إلى ما لا نهاية.
في المحصلة، يقف بيان "الجبهة الليبرالية في التل" عند تقاطع مهم: هو من جهة تعبير عن رغبة حقيقية في استعادة الفعل السياسي المدني، ومن جهة أخرى اختبار مبكر لقدرة هذا الخطاب على التحول إلى قوة منظمة ومؤثرة. نجاحه لن يتحدد فقط بسلامة نواياه أو جاذبية شعاراته، بل بقدرته على بناء أدوات واقعية، وقراءة موازين القوى بدقة، والتقدم خطوة خطوة داخل بيئة معقدة، لا تقبل الاختزال.
وفي ذلك، يكمن التحدي الحقيقي: الانتقال من اللغة إلى الفعل، ومن الرغبة إلى القدرة.