--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

بين بقاء نتنياهو وحروب المنطقة… الشرق الأوسط على حافة إعادة تشكيل كبرى

Salah Kirata • ١٥‏/٣‏/٢٠٢٦

10611.png

 بين بقاء نتنياهو وحروب المنطقة… الشرق الأوسط على حافة إعادة تشكيل كبرى:

لا تبدو الأزمة التي تعيشها إسرائيل اليوم مجرد أزمة حرب أو مواجهة عسكرية متعددة الجبهات، بل أزمة بنيوية في طبيعة القرار السياسي ذاته. فالمشكلة لم تعد تتعلق بكيفية إدارة الحرب، بل بمن يديرها ولماذا. وبينما تبدو المنطقة كلها وكأنها تتحرك على وقع صدامات عسكرية متسارعة، فإن ما يجري داخل إسرائيل يكشف عن معادلة أكثر تعقيداً: بقاء السلطة بات في كثير من الأحيان أهم من مصير الدولة نفسها.

في قلب هذه المعادلة يقف بنيامين نتنياهو، السياسي الأكثر براعة في تاريخ إسرائيل الحديث في فن البقاء السياسي. لم يكن سرّ نجاحه يوماً في تقديم رؤية استراتيجية للدولة بقدر ما كان في فهمه العميق لآليات القوة داخل النظام السياسي. فهو يدرك بدقة أين توجد مراكز النفوذ، ومن يملك القدرة على إسقاط الحكومات أو إبقائها، ولهذا بنى منظومة تحالفات تقوم أساساً على الولاء السياسي قبل أي اعتبار آخر.

الركيزة الأهم في هذه المنظومة هي التحالف مع الأحزاب الدينية الحريدية. هذه الأحزاب لا توفر له مجرد أغلبية برلمانية، بل تمنحه ما هو أكثر أهمية في السياسة: الثبات. ففي الوقت الذي يعيش فيه حزب الليكود صراعات داخلية وضغوطاً شعبية متزايدة بسبب الحرب وتداعياتها، تمنح الأحزاب الحريدية لنتنياهو قاعدة سياسية شبه مضمونة. ومن وجهة نظره، فإن خسارة بعض المقاعد بين الناخبين العلمانيين ليست مشكلة كبيرة طالما بقي هذا التحالف متماسكاً.

هنا تتجلى المفارقة الكبرى. ففي لحظة تاريخية تعيش فيها إسرائيل واحدة من أخطر أزماتها الأمنية منذ عقود، يبدو أن الحسابات السياسية الضيقة لا تزال تتحكم في قرارات القيادة. فالمجتمع الإسرائيلي يواجه صدمة عميقة منذ هجوم السابع من أكتوبر، والاقتصاد يتعرض لضغوط هائلة، ومدن الشمال تعيش حالة نزوح ودمار، ومع ذلك تستمر الحكومة في تحويل مليارات الشواقل إلى قطاعات لا تشارك في عبء الحرب بنفس الدرجة التي يتحملها باقي المجتمع.

هذا الخلل في توزيع الأعباء لا يعكس مجرد سياسة اقتصادية مثيرة للجدل، بل يكشف عن خلل أعمق في مفهوم المسؤولية الوطنية. فحين يصبح الحفاظ على توازنات الائتلاف الحكومي أولوية تفوق إعادة إعمار المدن أو دعم الاقتصاد أو حتى إدارة الحرب نفسها، فإن الدولة تدخل مرحلة خطيرة من فقدان البوصلة.

لكن هذه الأزمة لا تعود فقط إلى مهارة نتنياهو السياسية، بل أيضاً إلى ضعف خصومه. فالمعارضة الإسرائيلية تبدو حتى الآن عاجزة عن تحويل خطابها السياسي إلى قوة فعلية قادرة على تغيير المعادلة. هناك الكثير من التصريحات عن ضرورة إسقاط الحكومة، والكثير من التحذيرات من مخاطر استمرارها، لكن الفجوة بين الكلام والفعل تبقى واسعة.

هذه الفجوة تفتح الباب أمام سيناريو كان يبدو مستحيلاً قبل سنوات قليلة: احتمال قيام حكومة وحدة بين نتنياهو ونفتالي بينيت بعد الانتخابات المقبلة. المفارقة هنا أن جزءاً من الأصوات التي قد تصنع هذا التحالف قد يأتي من ناخبي الوسط واليسار الذين يصوتون لبينيت بهدف إسقاط نتنياهو، ليجدوا أنفسهم في النهاية قد ساهموا في إعادة إنتاجه داخل حكومة جديدة.

غير أن التحولات السياسية داخل إسرائيل ليست سوى جزء من مشهد إقليمي أوسع يتغير بسرعة. فالحرب الدائرة في المنطقة تفتح ملفات كانت مجمدة لعقود، أبرزها الملف اللبناني. الحديث عن مبادرة فرنسية تدفع نحو اعتراف لبناني بإسرائيل يشير إلى حجم التحولات التي قد تشهدها المنطقة إذا ما استمرت الضغوط العسكرية والسياسية الحالية.

فالمقترحات المتداولة لا تتحدث فقط عن وقف إطلاق نار أو ترتيبات أمنية مؤقتة، بل عن إعادة صياغة العلاقة بين لبنان وإسرائيل بالكامل، بدءاً من اتفاق عدم اعتداء وصولاً إلى ترسيم الحدود. وهي خطوة كانت حتى وقت قريب تبدو خارج حدود الخيال السياسي في الشرق الأوسط.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من أي خطة دبلوماسية. فداخل إسرائيل نفسها هناك تيار قوي يعتقد أن الطريق إلى الأمن لا يمر عبر التسويات، بل عبر الحسم العسكري. لهذا تتزايد الأصوات التي تدعو إلى توغل بري واسع في جنوب لبنان وتفكيك البنية العسكرية لحزب الله بالقوة، حتى لو أدى ذلك إلى حرب طويلة ومكلفة.

وفي خلفية كل هذه الصراعات يبرز عامل دولي لا يقل أهمية: الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة. فالصراعات التي تبدو في ظاهرها مرتبطة بالأمن أو الأيديولوجيا تخفي في كثير من الأحيان صراعاً أعمق على مصادر الطاقة والنفوذ العالمي.

النفط، كما يبدو، لا يزال أحد أهم مفاتيح الجغرافيا السياسية في العالم. فالقدرة على التأثير في إمدادات الطاقة تعني القدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي كله، وخصوصاً في الصين التي تعتمد بشكل كبير على واردات النفط من الشرق الأوسط. ومن هنا يمكن فهم جزء من التعقيد الذي يحيط بالمواجهة مع إيران، حيث تتداخل الأهداف العسكرية مع الحسابات الاقتصادية الكبرى.

لكن التاريخ يعلمنا أن الحروب لا تسير دائماً وفق الخطط التي يرسمها القادة. فإسقاط الأنظمة أو تغيير موازين القوى لا يتحقق بالقصف الجوي وحده، بل يحتاج إلى تحولات داخلية عميقة داخل المجتمعات نفسها. وهذه الحقيقة تدركها حتى المؤسسات العسكرية التي تخوض هذه الحروب.

وهكذا تبدو المنطقة اليوم وكأنها تعيش لحظة مفصلية. إسرائيل تواجه أزمة قيادة وأزمة مجتمع في آن واحد. لبنان يقف على حافة تسويات تاريخية أو انفجارات جديدة. وإيران تخوض مواجهة طويلة قد تعيد رسم ميزان القوى في الشرق الأوسط.

وسط كل ذلك، يبقى السؤال الأهم معلقاً: هل تقود هذه الحروب إلى إعادة ترتيب المنطقة نحو استقرار جديد، أم أنها مجرد فصل آخر في سلسلة طويلة من الصراعات التي لم تجد نهاية منذ عقود؟

الإجابة لم تتضح بعد، لكن ما هو واضح أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة مختلفة تماماً عما عرفه في السنوات الماضية؛ مرحلة تتداخل فيها الحروب مع السياسة، وتتقاطع فيها مصالح الدول مع حسابات الزعماء، بينما تبقى شعوب المنطقة هي التي تدفع الثمن الأكبر دائماً.