--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

بين ضجيج الاستقطاب وهدير الصراعات الكبرى: من يضبط إيقاع الوعي

Salah Kirata • ٢٣‏/٣‏/٢٠٢٦

15402.jpg

 بين ضجيج الاستقطاب وهدير الصراعات الكبرى: من يضبط إيقاع الوعي؟:

في لحظات التحولات العميقة التي تعيشها المنطقة، تتكاثر الأصوات وتتصاعد حدّة الخطاب، حتى يبدو المشهد وكأنه ساحة مفتوحة يتنازع فيها الجميع على تعريف الحقيقة واحتكار الوطنية. غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في اختلاف الرؤى بقدر ما يكمن في تحويل هذه الرؤى إلى أدوات استقطاب حاد، تقسم المجتمع بدل أن تحصنه، وتستنزف وعيه بدل أن ترتقي به.

في هذا المناخ المشحون، يبرز نمط من الخطاب يمكن وصفه بالسطحية السياسية؛ خطاب يتسم بالمبالغة، ويغلب عليه الانفعال أكثر من التحليل، ويرتكز على الشعارات أكثر من إدراك تعقيدات الواقع. هذا النمط، رغم صخبه، يظل قاصراً عن استيعاب طبيعة التحولات الجارية، ويكتفي بتبسيط صراعات معقدة إلى ثنائيات حادة لا تعكس حقيقة المشهد.

إن أخطر ما في هذا التوجه ليس في نواياه، بل في نتائجه. فحين يتحول الخطاب العام إلى ساحة تخوين وتنازع على صكوك الانتماء، تتآكل الجبهة الداخلية لأي مجتمع، وتضعف قدرته على مواجهة التحديات الحقيقية. فالوطنية ليست شعاراً يُرفع في لحظة غضب، ولا أداة لإقصاء الآخر، بل هي مسؤولية مشتركة تقوم على الفهم العميق، والوعي بالتهديدات، والقدرة على التمييز بين النقد البناء والتفكيك المدمر.

في المقابل، فإن ما يجري على مستوى الإقليم والعالم يتجاوز بكثير هذا الضجيج الإعلامي. نحن أمام تحولات كبرى في موازين القوى، وصعود خطابات سياسية ذات طابع تصادمي، تتداخل فيها الاعتبارات السياسية مع الأبعاد الفكرية والدينية، ما يضفي على الصراع طابعاً أكثر تعقيداً وخطورة. غير أن التعامل مع هذه المعطيات لا يكون عبر الانجرار إلى ردود فعل عاطفية، بل من خلال قراءة هادئة، وتحليل دقيق، ورؤية استراتيجية بعيدة المدى.

لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تنجح في تجاوز الأزمات هي تلك التي تمتلك وعيًا جماعيًا قادرًا على استيعاب الاختلاف، وتحصين الداخل، وتغليب المصلحة العامة على الحسابات الضيقة. أما المجتمعات التي تنزلق إلى الصراع الداخلي تحت ضغط الخطابات المتشنجة، فإنها تُضعف نفسها من الداخل، حتى قبل أن تواجه التحديات الخارجية.

إن المسؤولية في هذه المرحلة لا تقع على طرف دون آخر، بل هي مسؤولية جماعية تتطلب من النخب، والإعلام، وصنّاع الرأي، أن يرتقوا بخطابهم إلى مستوى الحدث، لا أن يهبطوا به إلى مستوى التنازع. فالكلمة اليوم ليست مجرد رأي، بل قد تكون أداة بناء أو معول هدم، بحسب وعي من يطلقها.

وفي خضم هذا كله، يبقى الأمل معقودًا على استعادة التوازن في الخطاب العام، والعودة إلى جوهر الفعل السياسي الرشيد، القائم على الفهم لا الانفعال، وعلى البناء لا الهدم، وعلى إدراك أن قوة المجتمعات لا تُقاس بحدة أصواتها، بل بعمق وعيها وقدرتها على الصمود والتماسك.

في النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن الأوطان لا تُحمى بالشعارات وحدها، بل بالوعي، والعقل، والانضباط. وكل خطاب يخرج عن هذا الإطار، مهما بدا صاخبًا أو مؤثرًا، يظل خطرًا على ذاته قبل أن يكون خطرًا على غيره.