
بين ضجيج القوة وحقائق الميدان… الشرق الأوسط عند حافة التحول:
أنظر إلى المشهد الحالي فأرى مفارقة واضحة بين الخطاب السياسي الصاخب وبين ما يجري فعلياً على الأرض. الضجيج الذي يملأ الشاشات يوحي بأن الأمور محسومة وأن ميزان القوة يميل بشكل قاطع، لكن قراءة هادئة للتطورات تكشف أن جميع الأطراف تقف في لحظة ارتباك حقيقي.
الحرب التي تدور الآن لا تشبه تلك الحروب التي تخطط لها العواصم الكبرى ثم تنتهي بسرعة وفق السيناريو المرسوم. ما يحدث أقرب إلى صراع دخل منطقة رمادية؛ لا أحد قادر على حسمه سريعاً، ولا أحد مستعد لتحمل كلفته الكاملة إذا استمر طويلاً. ولهذا أرى أن القلق يتسلل إلى مراكز القرار في أكثر من عاصمة.
في واشنطن، يبدو أن الحسابات الأولية لم تعد صالحة كما كانت عند البداية. فكلما طال أمد المواجهة تزداد الأسئلة داخل المؤسسة العسكرية والسياسية الأمريكية: ما حدود التصعيد؟ وما الكلفة الحقيقية لأي خطوة أكبر؟ الحديث عن خيارات واسعة على الورق شيء، وتحويلها إلى واقع ميداني شيء آخر تماماً، خصوصاً عندما تتداخل الجغرافيا والسياسة والطاقة والاقتصاد في معادلة واحدة.
أما في تل أبيب، فالإحساس بالضغط يتصاعد أيضاً. إسرائيل اعتادت أن تعتمد على تفوق عسكري سريع يحسم المعركة قبل أن تتعقد الحسابات الدولية. لكن هذا النمط يبدو أقل فعالية عندما يتحول الصراع إلى استنزاف طويل، وعندما تصبح الجبهات السياسية والاقتصادية والإعلامية مفتوحة بالتوازي مع الجبهة العسكرية.
من زاوية أخرى، ألاحظ أن دول المنطقة بدأت تنظر بقلق متزايد إلى انعكاسات الحرب عليها. فالدول الخليجية، على سبيل المثال، تجد نفسها أمام معادلة حساسة: وجود قواعد أجنبية يفترض أنه يوفر الحماية، لكنه في الوقت ذاته قد يجعلها جزءاً من الصراع حتى إن لم ترغب بذلك. ومع أي اضطراب في تدفق الطاقة أو أمن المدن، تتغير الحسابات سريعاً.
وفي خلفية المشهد كله تقف القوى الكبرى الأخرى تراقب بدقة. روسيا والصين لا تتعاملان مع ما يجري باعتباره مجرد أزمة إقليمية، بل كجزء من صراع أوسع على موازين القوة العالمية. وكلما طال أمد المواجهة، زادت فرص إعادة ترتيب الأوراق في ملفات أخرى لا علاقة مباشرة لها بساحة القتال.
أما إيران، فرغم ما تتعرض له من ضربات وضغوط، فإن خطابها وسلوكها يشيران إلى أنها لا تنظر إلى الصراع بمنطق المعركة القصيرة. في تقديري، طهران تراهن على عنصر الزمن وعلى قدرتها على تحمل الكلفة أكثر من خصومها. بالنسبة لها، مجرد الصمود لفترة طويلة يحمل قيمة سياسية كبيرة، لأنه يغير الصورة الذهنية التي حاول خصومها ترسيخها.
لهذا أجد نفسي أميل إلى الاعتقاد بأن نقطة التحول قد تأتي قريباً. فالإدارة الأمريكية لن تستطيع إبقاء الصراع مفتوحاً بلا نهاية، خاصة إذا بدأت الضغوط الداخلية والخارجية تتراكم. وفي كثير من الحروب الحديثة رأينا كيف يتم إعلان “الانتصار” سياسياً حتى عندما تكون النتائج الميدانية أكثر تعقيداً.
لكن السؤال الأهم بالنسبة لي ليس كيف ستنتهي هذه الجولة، بل ماذا سيأتي بعدها. إذا خرجت إيران من المواجهة وهي قادرة على القول إنها صمدت، فإن ذلك سيمنحها وزناً سياسياً أكبر في معادلات المنطقة. عندها قد نكون أمام شرق أوسط مختلف عما عرفناه خلال العقود الماضية.
وهنا أصل إلى الخلاصة التي تؤرقني دائماً: نحن العرب غالباً ما نجد أنفسنا متفرجين على مسرح الأحداث. القوى الكبرى تتصارع، والقوى الإقليمية تصعد أو تتراجع، بينما يبقى القرار الحقيقي في يد الآخرين. نشاهد التحولات، نتأثر بها، لكننا نادراً ما نكون نحن من يرسم اتجاهها.
ولهذا أشعر أن القضية ليست فقط في نتيجة هذه الحرب، بل في موقعنا نحن داخل المشهد. فالتاريخ لا يرحم الأمم التي تقبل أن تبقى في المقاعد الخلفية، بينما يقود الآخرون المركبة ويحددون الطريق.