بين ( فصل القوات ) و ( السلام الكامل ) :
سورية مرشحة لأن تكون أمام عقد إذعان لتوفر الظروف الموضوعية...
لذا اضع أمام كل السوريين لاسيما منهم أركان النظام الحالي وحاضنته وليس كلها بل منهم أصحاب الرؤوس الحامية، ومن اصفهم بالمؤمنين الغرائزيين المتخاصمين مع العقل والمنطق وحتى الدنيا والدين ...
تطفو إلى السطح، في هذه اللحظة السورية شديدة الهشاشة، أحاديث عن محادثات مباشرة أو غير مباشرة بين الحكومة الانتقالية في سورية وحكومة الكيان الصهيوني، وتبدو عناوين هذه المحادثات، إن صحت، كاشفة عن اختلال بنيوي عميق في موازين القوى، فبينما تسعى الحكومة الانتقالية إلى اتفاق أمني محدود يعيد تفعيل اتفاق فضّ الاشتباك لعام ١٩٧٤ ( اتفاق فصل القوات )، تصرّ حكومة الاحتلال على اتفاق سلام شامل ونهائي، أي ما يتجاوز الأمن إلى السياسة والاعتراف والتطبيع...
من حيث الوقائع، لا يمكن القفز فوق حقيقة أساسية وهي :
أن إسرائيل هي الطرف الأقوى بلا منازع، فهي لم تكتفِ تاريخيًا بتفوّقها العسكري، بل أقدمت خلال السنوات الأخيرة على تدمير ما تبقى من بنية الجيش السوري، سواء عبر ضربات مباشرة أو من خلال وسطاء وأدوات من داخل سورية وخارجها...
وعليه :
فإن أي تفاوض في ظل هذا الواقع لن يكون تفاوضًا بين طرفين متكافئين، بل سيقود – وفق المفهوم القانوني الدقيق – إلى ( عقد إذعان )، تُفرض فيه الشروط من طرف واحد، ويُطلب من الطرف الأضعف التوقيع أو الانتحار السياسي...
وإذا كان أقصى ما يمكن للحكومة الانتقالية انتزاعه في مثل هذا السيناريو هو تراجع إسرائيلي عن بعض الأراضي التي احتلتها بعد سقوط النظام السابق – وهي أراضٍ تتجاوز مساحتها ٦٥٠ كيلومترًا مربعًا – فإن الثمن المطلوب سيكون سياسيًا وسياديًا واستراتيجيًا، لا يقل خطورة عن خسارة الأرض ذاتها...
هنا تفرض المقارنة نفسها مع اتفاق ١٧ أيار ١٩٨٣ بين لبنان والكيان الصهيوني، الذي وُقّع في ظل حكم أمين الجميل، وقتئذ، ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على الاتفاق، ورغم توقيعه رسميًا، إلا أنه سقط بعد أقل من عام تحت ضغط القوى الوطنية اللبنانية، وبدعم سوري لا محدود، لأنه كان – في جوهره – اتفاق إذعان فُرض في لحظة ضعف وانقسام واحتلال...
والمفارقة هنا أن الوضع السوري الراهن أكثر هشاشة من الوضع اللبناني آنذاك، ما يعيد طرح السؤال الجوهري وهو :
( بأي شرعية ستوقّع الحكومة الانتقالية اتفاقًا من هذا النوع )؟
فالحكومة الانتقالية، بحكم تعريفها، لا تمتلك شرعية دستورية ولا تفويضًا وطنيًا جامعًا يخولها توقيع اتفاقات مصيرية، وخاصة اتفاقات يمكن توصيفها – مهما جرى تجميلها لغويًا – بأنها اتفاقات استسلام تُسمّى زورًا ( سلامًا )...
إلا أن الأخطر من ذلك، أن هذا المسار قد يجد قبولًا شعبيًا داخل ما أصفه انا بـ حاضنة غرائزية ومغفلة سياسيًا، إذ جرى اختزال وعيها في فتاوى وشعارات، وغلف بحقد وخطاب كراهية وصار من ليس منهم آخرا حلت عليه اللعنة والنقمة ودار توصيفه بين التشبيح والفول والخائن الواجب تصفيته خارج إطار القضاء، نعم هذه هي رؤيتهم و مفاهيمهم لا مفاهيم الدولة والسيادة والتاريخ، هذه الحاضنة التي يتكوّن معظمها من مسلمين سنّة جرى اقتلاعهم من جذور التفكير النقدي، ودُفعوا – بفعل القهر والتجهيل والتعبئة الدينية – إلى التسليم بكل ما يُقدَّم عليه الرئيس احمد الشرع حتى لو وصل الأمر إلى اقتسام دمشق نفسها مع الكيان، فهم يرون في العهد الحالي امتداد لعهد الخلفاء الراشدين وفي الرئيس على أنه من أولياء الله الصالحين وله من التقديس ما لسيد المرسلين وخاتم الأنبياء والمرسلين، لأنهم رأوا في خلع بشار الأسد الامل والمينى ومنتهى الغاية، لاسيما أنهم صدقوا أن هيئة تحرير الشام ومن دار في فلكها من جماعات معارضة إسلامية مسلحة أنهم أسقطوا النظام بالقوة...
نعم اعود لأكرر أن هؤلاء، قد صدّقوا أن هيئة تحرير الشام هي من ( حرّرتهم ) من آل الأسد، فباتوا ينظرون إلى العهد الحالي كما لو كان امتدادًا لعهد الخلفاء الراشدين، وإلى الرئيس أحمد الشرع بوصفه من أولياء الصالحين، بل يكاد يُضفى عليه – في مخيالهم – شيء من قداسة الرموز المؤسسة في الإسلام، وفي ظل هذا الوعي المشوّه، يصبح تمرير أخطر الاتفاقات أمرًا ممكنًا، بل مرحّبًا به...
غير أن المسألة، في جوهرها، لا تتعلق باتفاق أمني أو سلام من عدمه، بل تتعلق بـ من يملك الحق في التوقيع، وتحت أي ميزان قوى، وبأي وعي شعبي، ولصالح أي مستقبل سوري.
فأي توقيع على اتفاق من هذا النوع في الظرف السوري الراهن، لا يمكن توصيفه قانونيًا كعمل سيادي مكتمل الأركان، بل يُعدّ تصرفًا صادرًا عن سلطة انتقالية فاقدة للأهلية الدستورية، ما يجعله عرضة للإبطال والطعن مستقبلًا، سواء بموجب القانون الدستوري السوري حين يُعاد بناؤه، أو استنادًا إلى مبادئ القانون الدولي التي تُبطل الاتفاقات المبرمة تحت الإكراه، أو في ظل الاحتلال، أو عند اختلال فادح في موازين القوى. فالاتفاقات التي تُوقَّع في لحظات الانكسار لا تكتسب المشروعية بالتوقيع، بل تفقدها بالسياق.
وإذا كانت إسرائيل تحاول دفع الأمور نحو ( سلام كامل )، فإن هذا السلام – بصيغته المطروحة – يتجاوز اتفاق فضّ الاشتباك لعام ١٩٧٤، ويتناقض عمليًا مع جوهر قرارات الشرعية الدولية ذاتها، وفي مقدمتها القرار ٢٤٢ الذي ينص صراحة على عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة، والقرار ٣٣٨ الذي يربط أي تسوية بإنهاء آثار العدوان، فكيف يُسوّق لسلام لا يبدأ بانسحاب كامل من الجولان السوري المحتل، ولا يعترف بوضعه القانوني كأرض محتلة، بل يسعى إلى تثبيت الأمر الواقع بالقوة ثم شرعنته باتفاق سياسي؟
الأخطر أن مثل هذا الاتفاق، إن تم، لن يُنهي الصراع، بل سيؤسس لمرحلة أعمق من عدم الاستقرار، لأن الشعوب قد تُهزم عسكريًا، لكنها لا تُهزم تاريخيًا، وتجربة اتفاق ١٧ أيار ليست استثناءً، بل قاعدة كون اتفاقات الإذعان لا تعمّر، وقد تسقط بعد سنوات أو عقود، لكنها تسقط حتمًا، وتتحول من ( إنجازات ) في خطاب السلطة إلى وثائق إدانة في ذاكرة الدولة...
أما وجدانيًا، فإن سورية التي قدّمت مئات الآلاف من الضحايا، ودُمّرت مدنها، وهُجّر شعبها، لا يمكن اختزال خلاصها بتوقيع متعجّل على ورقة تُفرض باسم ( السلام ) فيما هي في حقيقتها تكريس للهزيمة وتصفية لحق الأجيال القادمة في تقرير مصيرها، السلام الحقيقي لا يُولد من ركام الجيوش المدمَّرة، ولا من وعي شعبي مُصادَر، بل من دولة شرعية، ومجتمع واعٍ، وميزان قوى عادل، أو على الأقل غير مُهين.
لذلك، فإن التحذير واجب لا ترف : فأي اتفاق يُوقَّع اليوم باسم سورية، دون دستور، ودون برلمان منتخب، ودون تفويض وطني جامع، ودون استعادة الجولان كاملًا بوصفه أرضًا محتلة غير قابلة للتفاوض، لن يكون سلامًا، بل عبئًا تاريخيًا، وقيدًا قانونيًا مؤقتًا، وصاعقًا مؤجّلًا للصراع، فسورية التي لم تُهزم في وجدانها، ولا في حقها، لا يجوز أن تُهزم على الورق، ولا أن يُختزل تاريخها بتوقيع سلطة عابرة على اتفاق دائم. منشورك هنا...