
بين غرور القوة وقلق الحلفاء… معضلة القرار في زمن ترامب:
ليس من السهل على المتابع أن يخرج بانطباع متماسك بعد الاستماع إلى خطابات دونالد ترامب. فالرجل يميل إلى خطاب شخصي مفرط، يدور في كثير من الأحيان حول ذاته قبل أي قضية أخرى، ويعتمد لغة مباشرة وبسيطة إلى حد كبير. وفي نظر بعض المراقبين، تبدو طريقته في تقييم قادة العالم أقرب إلى اختبار بدائي للقوة: من يبدو صلباً ومن يظهر ضعيفاً.
هذه الصورة أثارت لدى بعض المعلقين الإسرائيليين قدراً من السخرية والقلق في آن واحد. فالمشهد، كما يصفونه، يكاد يشبه لوحة كاريكاتورية لزعيم يتعامل مع العالم كما لو كان لعبة بين يديه، يلوّح بها أو يدفعها في الهواء بدافع الثقة المفرطة بالنفس. غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن الرجل نفسه يمتلك تأثيراً مباشراً في ملفات مصيرية تمسّ المنطقة بأكملها.
فالقرارات التي قد تصدر عنه لا تتعلق بتفاصيل سياسية عابرة، بل بملفات شديدة الحساسية: احتمال مواجهة عسكرية مع إيران، مستقبل قطاع غزة، مصير فكرة الدولة الفلسطينية، وحتى التوازنات السياسية داخل إسرائيل نفسها. وبصرف النظر عن المواقف منه، فإن موقعه يمنحه القدرة على التأثير في اتجاه هذه القضايا.
لكن القلق لا يقتصر على خصومه. فداخل إسرائيل أيضاً يبرز شعور متزايد بالحيرة تجاهه. هناك من يرى فيه حليفاً قوياً، وآخرون يخشون تقلباته وعدم القدرة على التنبؤ بخياراته. هذا التردد يعكس معضلة حقيقية: الاعتماد عليه يبدو محفوفاً بالمخاطر، لكن غيابه قد يفتح الباب لبدائل غير مريحة كذلك.
وفي الوقت نفسه، يبدو ترامب نفسه محاصراً بجملة من التحديات. فتصريحاته الحادة ووعوده المتكررة وضعتْه في موقع يصعب معه التراجع دون أن يبدو ذلك وكأنه تراجع عن مواقفه. إضافة إلى ذلك، تواجه إدارته ضغوطاً داخلية وقضائية واقتصادية، وهو ما يجعل أي مغامرة خارجية أكثر تعقيداً من مجرد قرار سياسي سريع.
ومن بين الملاحظات اللافتة أيضاً أن بعض الأفكار المطروحة حول مستقبل غزة تبدو، في نظر منتقديه، أقرب إلى مشاريع استثمارية أو تصورات عقارية منها إلى حلول سياسية واقعية لقضية معقدة ومتجذرة في التاريخ.
كل ذلك يوضح أن المشهد لا يقتصر على صراع بين طرف قوي وآخر ضعيف، كما قد يبدو في الخطاب السياسي المبسط. فداخل المعسكر المقابل نفسه توجد شكوك ومخاوف وتناقضات عميقة. الثقة ليست كاملة، والخيارات ليست مريحة، والقرارات الكبرى محاطة بقدر كبير من القلق.
ولعل هذه الحقيقة تستحق التأمل. فالأزمات في المنطقة لا تخص طرفاً واحداً فقط. كما أن القوة المفرطة قد تولد شعوراً بالاطمئنان الظاهري، لكنها تخفي في داخلها مخاوف من نتائج لا يمكن التحكم بها بسهولة.
إن تاريخ هذه المنطقة يبين أن الصراعات فيها نادراً ما تنتهي وفق تصورات القوة وحدها. فالتجارب المتراكمة تشير إلى أن الغرور السياسي كثيراً ما يتحول إلى عبء على أصحابه قبل خصومهم. وفي النهاية، يبقى الدرس الأهم أن من يتعامل مع الشرق الأوسط بمنطق الاستعراض أو المغامرة قد يكتشف أن الواقع أكثر تعقيداً بكثير مما تسمح به خطابات القوة.