
بين حكومة الأمر الواقع وثقافة الغلبة: لماذا ما زلت في منطقة الانتظار؟
لا أخفي أنني ما زلت أعيش حالة من عدم اليقين الكامل تجاه الحكومة الانتقالية في سورية برئاسة أحمد الشرع. فلا أنا في صفوف المؤيدين لها، ولا أنا في معسكر المناهضين لها...
نعم:
انا أقف في منطقة انتظار تفرضها عليّ قناعاتي الوطنية قبل أي اعتبار آخر، وتدفعني إلى النظر للأمور بميزان المصلحة السورية لا بميزان الاصطفاف السياسي أو الأيديولوجي...
منذ اليوم الأول:
رأيت أن هذه الحكومة لا تلامس، ولو من باب المصادفة، مضمون القرار الأممي 2254 الذي تحدث صراحة عن هيئة أو حكومة انتقالية تقوم على أسس توافقية وشاملة، لذلك فإن توصيفها، بالنسبة لي، لا يخرج عن كونها حكومة أمر واقع فرضتها موازين القوة والوقائع التي أفرزتها التطورات السورية الأخيرة...
لكن توصيفها كحكومة أمر واقع لا يعني بالضرورة إعلان العداء لها، ولم يكن أي نقد وجهته إليها مدفوعاً برغبة في الهدم أو التشكيك أو التحريض، بل كان دائماً ينطلق من دافع وطني خالص. ولعل الدليل على ذلك أنني لم أكتب عنها مرة واحدة إلا وأنهيت ما أكتب بمجموعة من المقترحات والتوصيات التي تقوم على فكرة الجمع لا التفريق، وعلى البحث عن المشترك الوطني لا عن خطوط الانقسام...
وحين أضع نفسي مكان هذه السلطة، أجدني قادراً على فهم الكثير من سلوكها السياسي، وإن كنت لا أتفق معه بالضرورة، فهي تبدو وكأنها تمارس شكلاً من أشكال "التقية السياسية" غير المعلنة؛ إذ إن خطابها الهادئ ولهجتها التصالحية وسلوكها التوافقي الظاهر لا تبدو، في تقديري، أهدافاً نهائية بقدر ما تبدو أدوات مرحلية غايتها التمكن والتمكين وترسيخ السيطرة وتثبيت الحكم...
و أعترف:
بأن من حق أي سلطة تصل إلى الحكم أن تسعى إلى تثبيت نفسها، خصوصاً عندما تواجه قدراً واسعاً من الرفض من مكونات سورية متعددة، بل وحتى من شرائح داخل البيئة السنية نفسها، ولا سيما أنصار الدولة المدنية الديمقراطية، وهنا أحاول، قدر الإمكان، أن أتنحى جانباً عن النقاش المتعلق بطريقة وصولها إلى السلطة، وأن أنظر إلى الواقع كما هو لا كما كنت أتمنى أن يكون...
لكن ما لا أستطيع تبريره أو التساهل معه هو غياب مشروع دستوري واضح، فلا يوجد، في تقديري، أي مبرر حقيقي لعدم إعداد دستور جديد وعرضه على الاستفتاء الشعبي، وأعتقد أن السبب لا يعود إلى ضيق الوقت أو كثرة الأعباء أو تعقيدات إعادة الإعمار وملفات اللاجئين والنازحين، فهذه جميعها لا تتعارض مع صياغة عقد اجتماعي جديد للبلاد...
الأقرب إلى المنطق أن السلطة الحالية تدرك أن أي دستور يعكس بصورة كاملة جذورها الفكرية والثقافية وخلفياتها السياسية قد لا يحظى بقبول وطني واسع، وقد لا يرتقي ليكون عقداً اجتماعياً جامعاً للسوريين، ولذلك فإنها تؤجل هذه الخطوة إلى حين استقرار سيطرتها وترسخ موقعها في قيادة الدولة...
لهذا السبب تحديداً أقول:
إن الشرعية التي تستند إليها هذه الحكومة اليوم ليست شرعية دستورية ولا تعاقدية ولا انتخابية، وإنما شرعية القوة والغلبة وفرض الأمر الواقع، وهذا ليس حكماً أخلاقياً بقدر ما هو توصيف موضوعي لطبيعة نشأتها وآليات وصولها إلى السلطة. وهي، في الواقع، تبدو وفية لهذه الحقيقة أكثر من أي شيء آخر...
ولعل المفارقة اللافتة أن حجم الاعتراف العربي والدولي بهذه الحكومة يفوق، مرات عديدة، حجم الاعتراف الشعبي الداخلي بها، وهذا وحده يكفي لإثارة أسئلة كثيرة حول طبيعة الشرعية القائمة ومستقبلها...
ومع ذلك:
فإن موقفي الأكثر حدة ليس موجهاً إلى الحكومة ذاتها بقدر ما هو موجه إلى جزء من الحاضنة الشعبية التي تحيط بها، ذلك الجزء الذي يتعامل مع المشهد بعقلية المنتصر الذي يحق له كل شيء، ويتباهى بثقافة الغلبة ويحولها إلى سلوك يومي وخطاب سياسي واجتماعي...
لقد أطلقت سابقاً على هذه الظاهرة اسم جماعة "أحمدنا"، ولا أتردد في القول إن موقفي منها أكثر تشدداً من موقفي تجاه السلطة نفسها، فهذه العقلية تبتذل السياسة وتختزل الوطن في جماعة، وتستبدل المواطنة بالولاء، وتتعامل مع بقية السوريين بوصفهم مهزومين أو فائضاً بشرياً أو مشكلة يجب إخضاعها...
إن الخطر الحقيقي على سورية اليوم لا يكمن فقط في أخطاء السلطة، بل في هذه الثقافة التي تزرع بذور الانقسام وتدفع السوريين نحو مسارات مواجهة مؤجلة، وأنا لا أنفي إمكانية وقوع هذه المواجهة مستقبلاً، بل أراها احتمالاً قائماً تتوقف سرعة انفجاره أو تأجيله على طبيعة السياسات التي ستتبعها سلطة الأمر الواقع نفسها، وعلى قدرتها في كبح هذه الممارسات بدل التساهل معها أو الاستفادة منها...
أما موقفي النهائي من الحكومة، تأييداً أو معارضة، فلا يزال قيد الانتظار، ولن تحدده الخطب ولا الشعارات ولا المواقف الإعلامية، بل سيحدده أمر واحد فقط: العقد الاجتماعي الذي ستقدمه للسوريين...
حين يُطرح دستور حقيقي على الشعب، وحين يُمنح السوريون حق القبول أو الرفض عبر استفتاء حر، عندها فقط يمكن الحديث عن بداية انتقال من شرعية الغلبة إلى شرعية الرضا الشعبي...
إلى أن يحدث ذلك، سأبقى في منطقة الانتظار؛ لا موالياً ولا معارضاً على نحو مطلق، بل مواطناً سورياً يرى أن مستقبل البلاد لا يُبنى بالقوة وحدها، ولا بالاعتراف الخارجي وحده، وإنما بالتوافق الوطني الذي يحول السوريين من جماعات متنازعة إلى شعب واحد يجمعه عقد اجتماعي واحد ودولة واحدة للجميع.