
بين هوامش الممكن وسقوف الأوهام: قراءة هادئة في المشهد السوري
المنطقة التي نعيش فيها ليست مسرحًا لقرارات محلية خالصة، بل ساحة تتقاطع فيها إرادات قوى كبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة. أي مسار حاسم في ملفات سوريا يمرّ عبر حسابات واشنطن، سواء أحببنا ذلك أم أنكرناه. تصريحات – بغضّ النظر عن دوافعها الانتخابية أو الاستعراضية – تعكس واقعًا أوسع: النفوذ الأمريكي ليس تفصيلاً عابرًا، بل جزء من معادلة السلطة في الإقليم.
في منطق القوى العظمى، لا تُدار الملفات بدافع العاطفة ولا بدافع المثاليات. أولويات واشنطن في سوريا لم تكن يومًا إعادة بناء الدولة أو ترميم نسيجها الاجتماعي بقدر ما كانت مرتبطة بملفات أمنية محدّدة: محاربة ، ضبط الحدود الجنوبية بما يضمن أمن ، وإبقاء المشهد العام في حالة “استقرار وظيفي” لا تهدّد المصالح الكبرى. لذلك، لا أحد في العواصم المؤثرة يتعامل مع سوريا كقضية أخلاقية؛ بل كملف قابل للإدارة، والاحتواء، والمقايضة.
هذا الواقع القاسي يفسّر لماذا غادر كثير من الفاعلين السياسيين المشهد أو هامشوه بأنفسهم. السياسة هنا ليست خطبًا ولا شعارات، بل قدرة على المناورة داخل مساحة ضيّقة رسمتها قوة أكبر. من لا يمتلك مرونة كافية للتعامل مع هذا السقف الدولي يجد نفسه خارج اللعبة، حتى لو كانت نواياه “أنقى”. العالم اليوم، في غالبيته، يتحرك ضمن مظلة النفوذ الأمريكي، وما يبدو من صعود هنا أو مناوشة هناك – كما في شدّ الحبل مع أو إدارة التوتر مع – يجري غالبًا داخل هامش مسموح به، لا خارجه.
من هذا المنظور، فإن أي خطوة تُسجَّل للدولة السورية في هذه المرحلة لا يمكن قراءتها بوصفها “نصرًا مطلقًا” ولا “استسلامًا كاملًا”، بل ثمرة مساومات قاسية ومفاوضات طويلة. هي مكاسب جزئية داخل الممكن، لا قفزات بطول الأحلام. السياسة الواقعية لا تمنح الشعوب ما تستحقه دائمًا، بل ما تسمح به موازين القوى في اللحظة الراهنة.
ومن غير العادل اختزال المشهد في شخص واحد أو تحميله عبء خرابٍ تراكم عبر عقود. من يتصدّر اليوم واجهة الحكم ورث بلدًا مُنهكًا: جغرافيا ممزقة، مؤسسات منهارة، مجتمعًا أُثقل بالطائفية والفساد، وذاكرة جمعية مثقلة بالخذلان. لا توجد “عصا سحرية” تُصلح كل هذا دفعة واحدة. الدولة تُبنى بالنَّفَس الطويل، بالترميم المتدرّج، وبإعادة إنتاج عقد اجتماعي يسبق أي مشروع نهضوي كبير.
اللحظة الراهنة، مهما كانت محبِطة، تُدار بمنطق تقليل الخسائر ومنع الانفجار الشامل. الاستقرار النسبي – حتى لو كان هشًّا ومشوّهًا – قد يكون في هذه المرحلة صمام أمان يمنع الانزلاق إلى سيناريوهات أكثر دموية. البدائل التي تُطرح غالبًا في الفراغ السياسي ليست مشاريع دولة، بل وصفات فوضى تُعيد إنتاج المأساة بأشكال أعنف.
الرهان الواقعي اليوم ليس على معجزة، بل على إدارة انتقال بطيء من الخراب إلى الحدّ الأدنى من الدولة: مؤسسات تعمل، قانون يُطبّق ولو جزئيًا، ومسار سياسي يتقدّم خطوة بخطوة داخل حدود الممكن الدولي. هذا لا يعني تبرير الأخطاء ولا تقديس أي سلطة، بل فهم قواعد اللعبة كما هي، ثم محاولة توسيع الهامش قليلًا قليلًا لصالح الناس. بين الأوهام الكبيرة والرضا بالواقع المرّ، هناك مساحة عمل ضيّقة لكنها حقيقية… ومن لا يمشي فيها بحذر، قد يجرّ البلاد إلى هاوية أعمق.