
بين “إعلان الانتصار” ووقائع السماء… من يكتب الحقيقة في سماء إيران؟:
ربما غالت واشنطن وتل أبيب حين أعلنتا، أو على الأقل لمحتا، إلى أن منظومات الدفاع الجوي الإيرانية قد تعرضت لضربات قاسية أفقدتها الكثير من فاعليتها، غير أن المؤكد—وفق ما راكمته السنوات من مؤشرات عسكرية وتسريبات وتحليلات—أن إيران، وحتى قبل نحو 72 ساعة أو أكثر من أي تصعيد حديث، كانت تعاني أصلاً من فجوات عميقة في بنيتها الدفاعية الجوية، سواء من حيث الجاهزية أو التكامل أو القدرة على مواجهة تفوق جوي تقليدي تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل...
لقد كشفت ما سُمّي بـ“حرب الاثني عشر يوماً” في يونيو الماضي، وفق توصيفات إعلامية متداولة، عن هشاشة لافتة في منظومة الدفاع الجوي الإيرانية أمام مزيج متقدم من الذخائر الذكية والطائرات الشبحية ومنصات الحرب الإلكترونية، فقد بدا المشهد يومها أقرب إلى اختبار قاسٍ لميزان القوة الجوي غير المتكافئ، أكثر منه مواجهة تقليدية بين منظومتين متقاربتين...
لكن المفارقة الكبرى ظهرت لاحقاً، حين خرجت طهران لتعلن أنها تمكنت خلال يوم واحد من إسقاط ثلاث طائرات، من بينها طائرة من طراز F-15A، وهي مقاتلة ارتبط اسمها في الذاكرة العسكرية العالمية بسجل عملياتي شبه خالٍ من الخسائر في القتال الجوي، إضافة إلى طائرة وُصفت إعلامياً بـ“خنزير الجو” من طراز T-1 والتي توصف بالدبابة الطائرة نتيجة تصفيحا والتي تستخدم لدعم تقدم المشاة وحمايتهم، وكذلك طائرة F-16 يُقال إنها تسللت عبر الأجواء العراقية، مع الحديث عن إصابة مروحيتين اضطرارياً داخل الأراضي العراقية...
ثم جاءت الذروة في الخطاب الإيراني حين أعلنت طهران أنها باتت قادرة على حماية أجوائها بشكل كامل، وأن أي مقاتلة معادية ستُسقط فور دخولها المجال الجوي الإيراني، في إعلان يعكس تحولاً من موقع الدفاع المتضرر إلى موقع الردع المطلق.
هنا، يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاوزه بسهولة، ولو بصيغة “تجاهل العارف” وهو :
- كيف يمكن لمنظومة دفاع جوي، يُقال إنها كانت تتعرض لضغط عسكري مباشر، أن تعيد بناء نفسها أو تطورها إلى هذا الحد في زمن قصير للغاية، بينما عجزت عن تحقيق قفزة نوعية مماثلة على مدى 47 عاماً من التحديات والعقوبات والحروب غير المباشرة؟..
هذا التناقض يفتح الباب أمام فرضيتين أساسيتين، لا بوصفهما حقائق، بل كقراءات محتملة للمشهد:
- الأولى:
أن منظومات متقدمة مثل S-400 الروسية قد تكون دخلت الخدمة فعلياً، أو على الأقل تم تشغيل أجزاء منها أو دمجها ضمن شبكة الدفاع الإيرانية، مع وجود خبراء أو مشغلين روس أسهموا في رفع كفاءة الأداء، سواء بشكل مباشر أو عبر دعم تقني متقدم...
أما الثانية:
فهي أن الصين قد دخلت على خط المعادلة، ليس فقط كمورد محتمل للتكنولوجيا، بل كطرف قادر على نقل منظومات متطورة جداً أو تقنيات دمج راداري وصاروخي متقدم، بما يعيد تشكيل الصورة الدفاعية الإيرانية بسرعة غير اعتيادية. ولا يبدو هذا الاحتمال بعيداً تماماً عن السياق، فالصين لم تتردد يوماً في دعم شركاء استراتيجيين في آسيا، كما حدث في مراحل سابقة مع باكستان في مواجهة الهند، سواء عبر تزويدها بتقنيات عسكرية أو عبر دعم قدرات تشغيلية ساهمت في تغيير ميزان الاشتباك...
لكن بين هذه الفرضيات جميعاً، تبقى الحقيقة الأهم أن الحرب الحديثة لم تعد تُقاس فقط بعدد الطائرات أو الصواريخ، بل بسرعة تحديث المنظومات، وعمق التكامل الاستخباراتي، وقدرة الدول على تحويل الخسارة إلى “رواية نصر” خلال ساعات...
لذلك، قد لا يكون السؤال الحقيقي:
- هل أسقطت إيران فعلاً تلك الطائرات؟..
بل ربما:
- من يملك القدرة اليوم على فرض روايته على السماء… كما يفرضها على الأرض؟