--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

بين خطاب الدولة الممكنة وإعادة هندسة الموقع السياسي: الرئيس أحمد الشرع من لندن في مرآة الواقع السوري

Salah Kirata • ٣١‏/٣‏/٢٠٢٦

17436.png
بين خطاب الدولة الممكنة وإعادة هندسة الموقع السياسي:
الرئيس أحمد الشرع من لندن في مرآة الواقع السوري...
قراءة في زيارة الرئيس احمد الشرع إلى المملكة المتحدة والغوص في أعماق مقال بحيادية وحرص وطني وموضوعية:

في قلب العاصمة البريطانية لندن، داخل قاعة تشاتام هاوس، لم يكن ظهور الرئيس السوري أحمد الشرع مجرد مشاركة في جلسة حوارية عادية، بل بدا أقرب إلى لحظة اختبار سياسي مكثف، تُعرض فيها “سورية الجديدة” بصيغة خطابية أمام جمهور دولي، في لحظة ما تزال فيها الدولة السورية نفسها في حالة إعادة تشكل، بين إرث حرب طويلة، وبنية سلطوية وأمنية معقدة، وتوازنات إقليمية لم تستقر بعد...
في هذا السياق، قدّم الشرع ملامح المرحلة المقبلة في سورية، متحدثًا عن مسار سياسي يقوم على الحوار الوطني، وعن الإعلان الدستوري الذي صدر بالفعل، وعن إجراء انتخابات مجلس الشعب، مع التأكيد على أن المرحلة الانتقالية ستُستكمل بانتخابات حرّة، كما شدد على أن أحد أعمدة هذه المرحلة هو حصر السلاح بيد الدولة، وفرض سيادة القانون، باعتبار أن وجود جماعات مسلّحة خارج إطار الدولة لم يعد مقبولًا في سورية الجديدة التي يسعى إلى تثبيتها كمشروع سياسي ومؤسساتي...
لكن هذا الخطاب، رغم تماسكه الظاهري، لم يكن مجرد عرض إداري لخطوات سياسية، بل حمل في داخله إشارات أكثر حساسية وعمقًا، حين انتقل إلى الملفات الإقليمية والأمنية، وتحديدًا عندما قال إن سورية ستبقى خارج أي صراع مرتبط بإيران، ما لم تتعرض لاستهداف مباشر، وفي الوقت ذاته أشار إلى أن بلاده دفعت ثمن تدخل حزب الله على أراضيها خلال سنوات الصراع، وفي الإطار ذاته، وضع أولوية المرحلة في مسار العدالة الانتقالية، عبر بناء مؤسسات قانونية واضحة قادرة على محاسبة المسؤولين عن الجرائم، بالتوازي مع تأكيده أن الدولة السورية باتت تمتلك شرعية وطنية ودولية في مواجهة تنظيم “داعش”، بما يعكس محاولة تثبيت موقع الدولة الجديدة داخليًا وخارجيًا في آن واحد...
وفي الشق المتعلق بالسياسة الخارجية، حاول الشرع رسم هندسة توازن دقيقة ومعقدة، تقوم على عدم الانخراط في اصطفافات حادة، فاعتبر أن بريطانيا لعبت دورًا في دعم سورية وفي دفع مسار رفع العقوبات، وأشار إلى استمرار العلاقات التاريخية مع روسيا ضمن إطار تحرك دبلوماسي نشط ومتعدد الاتجاهات، بينما وجّه في المقابل انتقادًا واضحًا لإسرائيل، معتبرًا أن محاولات سابقة للحوار معها لم تصل إلى نتائج، وفي موازاة ذلك، تناول ملف “قسد”، مؤكدًا أن مسار دمجها في مؤسسات الدولة يسير بشكل إيجابي رغم بعض التعثرات، في إشارة إلى أحد أكثر الملفات تعقيدًا في الجغرافيا السياسية السورية...
عموماً:
هذا البناء الخطابي، في ظاهره، يقدم سردية دولة في طور التشكل:
 دولة تحاول احتكار العنف، وإعادة بناء مؤسساتها، وإغلاق صفحة الحرب المفتوحة، والانخراط في شبكة علاقات دولية أكثر توازنًا ومرونة، لكنه، في عمقه، يفتح أسئلة أكثر تعقيدًا بكثير مما يجيب عليه، لأن ما يُقال في الخطاب السياسي الانتقالي غالبًا ما يكون أقل أهمية من القدرة الفعلية على تحويله إلى بنية واقعية على الأرض، لذا سأدخل بالتفاصيل:

* من إعلان حصر السلاح إلى سؤال تعريف الدولة نفسها:
حين يُعلن الشرع أن السلاح يجب أن يكون حكرًا على الدولة، فإنه لا يطرح مجرد إجراء أمني، بل يدخل مباشرة في قلب الإشكالية السورية الأساسية: -ما هي الدولة في سياق ما بعد الحرب الأهلية الطويلة؟..
فالمسألة ليست قانونًا يُسنّ أو قرارًا يُعلن، بل هي عملية تاريخية معقدة، تتطلب تفكيك شبكات مسلحة وأمنية واقتصادية نشأت خلال سنوات الصراع، وإعادة دمجها أو تفكيكها ضمن إطار مؤسساتي واحد، وهنا يتضح الفارق الجوهري بين “صياغة الهدف السياسي” وبين “القدرة الواقعية على تنفيذه”، وهو فارق يحدد مصير أي مشروع انتقال سياسي في سياق هش ومعقد مثل السياق السوري...
* إيران ولبنان خطاب الحياد وحدود الاصطفاف غير المعلن:
عندما يقول الرئيس الشرع إن سورية ستبقى خارج أي صراع مرتبط بإيران، ما لم تتعرض لاستهداف مباشر، وفي الوقت ذاته يشير إلى أن سورية دفعت ثمن تدخل حزب الله، فإنه لا يقدّم مجرد توصيف تاريخي، بل يعيد صياغة موقع سورية الإقليمي ضمن شبكة معقدة من التداخلات التي لم تكن يومًا منفصلة عن مسار الحرب السورية...
لكن الإشكالية هنا لا تكمن في الرغبة المعلنة بالحياد، بل في طبيعة هذا الحياد نفسه: 
- هل هو حياد دولة مكتملة السيادة، أم هو إعادة تموضع داخل منظومة إقليمية لا تزال فاعلة في الداخل السوري؟..
 هذا السؤال يبقى مفتوحًا، لأن تعريف الحياد في سياق ما بعد الحرب لا ينفصل عن ميزان القوة الفعلي على الأرض...
* العدالة الانتقالية، بين الضرورة التاريخية وهشاشة التوازن السياسي:
إن حديث الرئيس الشرع عن العدالة الانتقالية وبناء مؤسسات قانونية قادرة على المحاسبة، يضعه أمام أحد أكثر الملفات حساسية في تجارب ما بعد النزاع، فالعدالة الانتقالية ليست مجرد محاكمات أو لجان تحقيق، بل هي عملية إعادة بناء للذاكرة الوطنية، وتحديد للمسؤوليات، وصياغة لسردية مشتركة حول ما حدث خلال سنوات الحرب...
لكن هذه العملية، رغم ضرورتها التاريخية، تحمل في داخلها توترًا دائمًا بين مطلب العدالة ومطلب الاستقرار، فكل خطوة نحو المحاسبة قد تفتح جراحًا سياسية واجتماعية جديدة، وكل خطوة نحو التسوية قد تُتهم بأنها تفريط في العدالة. وهنا تكمن المعضلة الجوهرية لأي مشروع انتقالي...
*ملف قسد، إعادة تعريف المركز والهامش في الدولة السورية:
حين يتحدث الرئيس الشرع عن أن دمج “قسد” في مؤسسات الدولة يسير بشكل إيجابي رغم بعض التعثرات، فإنه يشير إلى واحد من أكثر الملفات تعقيدًا في الجغرافيا السورية الحديثة...
يجب أن يعلم أن المسألة لا تتعلق فقط بترتيبات إدارية أو أمنية، بل بإعادة توزيع السلطة والثروة والقرار السياسي في منطقة الشمال الشرقي، التي تشكلت فيها خلال سنوات الحرب بنية سياسية وعسكرية واقتصادية شبه مستقلة. وبالتالي فإن الحديث عن “الدمج” لا يعني مجرد ضمّ إداري، بل إعادة هندسة العلاقة بين المركز والأطراف، بما يحمله ذلك من احتمالات تعاون أو توتر طويل الأمد...
* بين روسيا وبريطانيا وإسرائيل، هندسة التوازن في فضاء غير مستقر:
في الشق الخارجي، يقدم الشرع صورة دولة تحاول التحرك داخل شبكة دولية شديدة التعقيد، دون الانزلاق إلى اصطفاف حاد، فهو يتحدث عن علاقات تاريخية مع روسيا، وعن دور بريطانيا في دعم رفع العقوبات، وفي الوقت ذاته ينتقد إسرائيل ويشير إلى فشل محاولات سابقة للحوار معها...
هذا التوازن ليس ترفًا دبلوماسيًا، بل ضرورة وجودية لدولة خارجة من حرب طويلة، تحاول إعادة بناء موقعها في النظام الدولي، دون أن تمتلك بعد أدوات القوة الكاملة التي تسمح لها بفرض شروطها...
* بين لندن ودمشق، فجوة الموقع وفجوة الواقع:
وهنا فإن أكثر ما يكشف عمق هذا المشهد ليس ما قيل في الخطاب، بل المكان الذي قيل فيه...
فالخطاب الذي يرسم ملامح الدولة السورية الجديدة خرج من لندن، من مؤسسة فكرية غربية، في حين أن الداخل السوري لا يزال يعيش آثار حرب ممتدة، وتحديات اقتصادية خانقة، وبنية مؤسساتية وأمنية في طور التشكل...
لذا فإن هذه المفارقة بين “موقع إنتاج الخطاب” و“موقع تطبيقه” ليست تفصيلًا شكليًا، بل هي جزء أساسي من فهم طبيعة المرحلة الانتقالية نفسها، حيث تُصاغ الرؤية في فضاء دولي، بينما يُختبر الواقع في بيئة داخلية شديدة التعقيد والهشاشة...
باختصار:
- هل نحن مع خطاب دولة قيد التكوين أم إدارة مرحلة انتقالية طويلة؟..
يمكن النظر إلى خطاب الرئيس أحمد الشرع من زاويتين متداخلتين لا تلغي إحداهما الأخرى:
من جهة أولى:
 هو خطاب دولة يحاول إعلان نهاية مرحلة الفوضى وبداية مرحلة المؤسسات، احتكار السلاح، بناء عدالة انتقالية، تنظيم انتخابات، وإعادة تعريف موقع سوريةفي محيطها الإقليمي والدولي...
ومن جهة ثانية:
هو خطاب إدارة مرحلة انتقالية بامتياز، يحاول التوفيق بين قوى داخلية متباينة، وضغوط إقليمية ودولية متشابكة، وواقع ميداني لم يُحسم بعد، ولا يزال في حالة إعادة تشكل مستمرة...
تقييمي الموضوعي النهائي لما طرحه الشرع:
إن ما طرحه الشرع ليس خطابًا غير واقعي أو منفصلًا عن سياقه، لكنه في الوقت نفسه ليس برنامجًا مكتملًا يمكن قياس نجاحه بشكل فوري، إنه أقرب إلى تصور سياسي شامل لـ“الدولة الممكنة”، أكثر من كونه خطة تنفيذية لـ“الدولة القائمة بالفعل”...
قوته الأساسية تكمن في وضوح العناوين الكبرى التي لا يمكن لأي مسار سوري مستقر أن يتجاهلها، لكن ضعفه المحتمل يكمن في الفجوة بين هذه العناوين وبين القدرة العملية على تحويلها إلى مؤسسات مستقرة وفاعلة على الأرض...
لكن يبقى الاختبار الحقيقي لهذا الخطاب محصورًا في ثلاثة مسارات مركزية لا يمكن تجاوزها وهي:
- هل يتحول مبدأ حصر السلاح إلى واقع فعلي ملموس؟..
- هل تنجح الدولة في بناء عدالة انتقالية غير انتقائية وقابلة للاستمرار؟..
- هل يتم دمج القوى المحلية ضمن إطار الدولة دون إعادة إنتاج الصراع بأشكال جديدة؟..
فمن دون إجابات عملية على هذه الأسئلة، سيبقى هذا الخطاب، مهما بلغ من الاتساق والعمق، في حدود “الرؤية السياسية الكبرى”، لا في حدود “الدولة المكتملة”.