
بين كلاوزفيتز وترامب، حين تتحول الحروب إلى هزائم مؤجلة:
قبل نحو قرنين كتب المفكر العسكري البروسي عبارته الشهيرة: "الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى."
لم تكن هذه الجملة مجرد تعريف نظري للحرب، بل كانت تحذيراً عميقاً: إذا فقدت الحرب صلتها بالسياسة، فإنها تتحول إلى فعل عنيف بلا معنى، وإلى طريق طويل نحو الهزيمة.
بعد مئتي عام تقريباً، أعاد الواقع تذكير العالم بهذه الحقيقة عندما تحدث الرئيس الأمريكي في عام 2026 بصراحة غير معتادة عن الحروب التي تخوضها الدول دون أهداف سياسية واضحة. في تلك اللحظة بدا وكأن ترامب — من حيث يدري أو لا يدري — يعيد صياغة خلاصة فكر كلاوزفيتز بلغة العصر.
الفكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها قاسية في نتائجها: الحرب التي لا تعرف لماذا بدأت، لا تعرف أيضاً كيف تنتهي.
التاريخ مليء بالأمثلة. تبدأ الحروب غالباً بشعارات كبيرة: الدفاع عن الأمن القومي، نشر القيم، حماية الحلفاء، أو ردع الخصوم. لكن ما إن تمر السنوات حتى تتلاشى الأهداف الأصلية، ويتحول الصراع إلى مجرد إدارة للعنف، لا إلى تحقيق لغاية سياسية محددة.
وهنا تكمن المعضلة التي حذر منها كلاوزفيتز.
فالحرب، في جوهرها، ليست عملاً عسكرياً صرفاً. إنها أداة في يد السياسة. وعندما تنفصل الأداة عن صاحبها، يصبح السلاح هو الذي يقود القرار، لا العكس.
في مثل هذه اللحظات تبدأ الهزيمة المؤجلة بالتشكل.
ليس بالضرورة أن تكون هزيمة عسكرية مباشرة، فالجيوش قد تنتصر في المعارك وتخسر الحروب. الهزيمة الحقيقية تظهر عندما تنتهي الحرب ولا يستطيع القادة تفسير لماذا خاضوها أصلاً، أو عندما يكتشف المجتمع أن التضحيات التي قدمها لم تُترجم إلى واقع سياسي جديد.
ما قاله ترامب في 2026 لم يكن كشفاً نظرياً بقدر ما كان اعترافاً سياسياً نادراً: كثير من الحروب الحديثة بدأت من دون تصور واضح لنهايتها.
وهذا الاعتراف بحد ذاته يفتح سؤالاً أكبر: كيف يمكن لقوى كبرى أن تدخل صراعات مكلفة دون تعريف دقيق لما تعتبره "نصراً"؟
الحقيقة أن السياسة المعاصرة أصبحت أسيرة ضغوط متناقضة: الإعلام، الرأي العام، التحالفات الدولية، الصناعات العسكرية، والاعتبارات الانتخابية. وفي هذا المناخ قد يصبح قرار الحرب أسهل من قرار السلام، لأن إعلان الحرب لحظة درامية سريعة، بينما بناء السلام عملية طويلة ومعقدة.
لكن المشكلة أن التاريخ لا يحاسب القادة على لحظة القرار، بل على نتائجه.
لهذا ظل فكر كلاوزفيتز حياً حتى اليوم. فهو يذكّرنا بأن الحرب ليست اختباراً للقوة فقط، بل اختباراً للعقل السياسي.
القائد الذي لا يحدد هدفه السياسي بدقة قبل الحرب، يترك جنوده يقاتلون في فراغ.
وهذا هو جوهر المقولة التي تلخص قرنين من التجارب:
الحرب التي لا تعرف ماذا تريد أن تحقق، لن تحقق إلا شيئاً واحداً — إطالة الطريق نحو الهزيمة.