
بين مهلة الأسبوعين وضباب المنطقة: قراءة واقعية لما يمكن أن يحدث لا لما يُتداول
تبدو المنطقة، مع اقتراب انتهاء ما يُوصف بـ“مهلة الأسبوعين”، وكأنها تُدار على إيقاع توقعات متسارعة أكثر مما تُدار على أساس مسارات سياسية صلبة. وفي هذا النوع من اللحظات، تختلط الأخبار المؤكدة بالتسريبات، والتحليل بالرغبات، فتتشكل صورة تبدو منطقية على السطح لكنها أقل ثباتًا عند التدقيق.
الحديث عن حدثين بارزين—عدم تقييد الرئيس الأميركي من الكونغرس في ما يتعلق بإيران، ورفض طهران تمديد المهلة—يُقدَّم أحيانًا كأنه مقدمة حتمية لمسار تصعيدي مباشر. لكن الواقع السياسي في واشنطن وطهران أكثر تعقيدًا من هذا الخط المستقيم.
في واشنطن، غياب “التقييد” البرلماني لا يعني تلقائيًا تفويضًا مفتوحًا للحرب. السياسة الأميركية في الملفات الكبرى، خصوصًا إيران، تعمل ضمن طبقات متعددة: مؤسسة عسكرية حذرة من التورط المفتوح، وإدارة سياسية تحسب كلفة التصعيد داخليًا وخارجيًا، ورأي عام لا يزال حساسًا تجاه حروب طويلة. لذلك، حتى عندما تتوفر حرية حركة تنفيذية، فإنها غالبًا ما تُترجم إلى ضغط محسوب أكثر من كونها اندفاعًا نحو مواجهة شاملة.
أما في طهران، فإن رفض تمديد المهلة—إن صحّ كخيار نهائي—لا يعني بالضرورة إغلاق باب التفاوض، بل غالبًا ما يُستخدم كأداة تفاوضية لرفع سقف الشروط أو تحسين موقع التفاوض. التجربة التاريخية تُظهر أن إيران تميل إلى إدارة الوقت كجزء من أدواتها التفاوضية، لا كحدّ نهائي قاطع.
أولًا: فكرة “الموافقة في اللحظة الأخيرة”
السيناريو القائل إن إيران ستعود في اللحظة الأخيرة لقبول التمديد والدخول في جولة جديدة من التفاوض هو احتمال قائم، لكنه ليس نتيجة حتمية. في مثل هذه الملفات، “اللحظة الأخيرة” ليست تكتيكًا إيرانيًا فقط، بل جزء من دينامية تفاوضية متبادلة بين الأطراف. غير أن افتراض أنها النتيجة الأكثر ترجيحًا يتجاهل احتمالًا آخر مهمًا: استمرار التوتر دون انفجار أو تسوية، أي حالة “اللا قرار”.
ثانيًا: “الحصار البحري والاستيلاء على السفن”
هذا الطرح يبدو أقرب إلى تصعيد نظري منه إلى مسار عملي مباشر. لأن تحويل البحر إلى ساحة استيلاء ممنهج على السفن—سواء كانت إيرانية أو غير إيرانية—لا يُعد مجرد إجراء أمني، بل خطوة ذات كلفة قانونية وعسكرية ودولية عالية جدًا. مثل هذه الإجراءات، إن حدثت، لا تأتي بشكل واسع أو مفتوح، بل ضمن حالات محدودة ومحسوبة ترتبط مباشرة بوقائع محددة لا باستراتيجية عامة معلنة.
الواقع أن أي ضغط بحري في هذا السياق، إن حصل، سيكون أقرب إلى “رسائل ردع موضعية” منه إلى حصار شامل.
ثالثًا: “الحرب كخيار مؤجل”
القول إن الحرب “جاهزة على الطاولة” ويتم تأجيلها فقط، يعكس تصورًا شائعًا لكنه مبسّط جدًا لطبيعة القرار العسكري في مثل هذه الملفات. القرارات من هذا النوع لا تُدار كخيار جاهز يمكن تشغيله أو إيقافه، بل كسلسلة معقدة من الحسابات: الردع، المخاطر، التحالفات، الجبهات الثانوية، والتكلفة الاقتصادية والسياسية.
الأقرب للواقع أن كل الأطراف تستخدم التلويح بالقوة كأداة ضغط، مع محاولة إبقاء خط الرجعة مفتوحًا، وليس العكس.
رابعًا: “المسار اللبناني”
أما في ما يتعلق بلبنان، فإن أي حديث عن “مفاوضات تسير بشكل منفصل عن مواقف القوى المحلية” يتجاهل حقيقة أساسية: أن الداخل اللبناني ليس هامشًا في هذه المعادلة، بل جزء من بنيتها. أي تهدئة أو تصعيد مرتبط هناك عادة بتوازنات دقيقة تشمل الداخل والإقليم معًا، وليس مجرد مسار تفاوضي خطي.
لذلك، فكرة أن الأمور ستسير “بسلاسة بغض النظر عن الأطراف” تبسيط لا يعكس تعقيد المشهد اللبناني.
الخلاصة: ما الذي هو أقرب للواقع؟
عند تفكيك هذه السيناريوهات، يظهر أن الأكثر واقعية ليس واحدًا من الخيارات الأربعة بصيغته الحادة، بل مزيج من الآتي:
- استمرار التفاوض تحت ضغط الوقت، مع احتمالات تمديد غير معلن أو جزئي
- تصعيد محدود ومحسوب في بعض الساحات (بحرًا أو عبر العقوبات) دون الوصول إلى حرب مفتوحة
- استخدام التصعيد الإعلامي والسياسي كأداة تفاوض أساسية
- بقاء الساحة اللبنانية ضمن “التوازن الهش” أكثر من انتقالها إلى تسوية كبرى أو انفجار شامل
بمعنى آخر، المنطقة لا تبدو متجهة إلى حسم سريع بقدر ما تبدو عالقة في مرحلة إدارة أزمة طويلة، حيث كل طرف يحاول تحسين شروطه دون أن يدفع الكلفة القصوى.
والخطر الحقيقي في هذه المرحلة ليس فقط في احتمال الحرب، بل في الاعتقاد أن الحرب أو السلام خياران قريبان وسهلان، بينما الواقع أنهما—في هذه اللحظة تحديدًا—أبعد وأكثر تعقيدًا مما يبدو في الخطاب المتداول.