
بين مقاومة المشروع التوسعي وتعدد الخيارات: أين يقف الوعي العربي؟
في خضمّ السجال العربي الحاد حول مفهوم “المقاومة” وحدودها، يطفو سؤال جوهري يتكرر بصيغ مختلفة: كيف نتعامل مع مشروع توسعي يُنظر إليه كتهديد للأرض والسيادة، وفي الوقت نفسه كيف نقيّم أدوات المواجهة وأشكالها؟ هل يصبح الاصطفاف مع أي طرف في المشهد الإقليمي خياراً وحيداً، أم أن الواقع أكثر تعقيداً من ثنائية “مع أو ضد”؟
إنّ مقاربة هذا السؤال تحتاج إلى قدر عالٍ من التجرد من الانفعال، وإلى تفكيك المفاهيم قبل تبنّي المواقف. فمصطلحات مثل “العدو” و“المقاومة” و“المشروع التوسعي” ليست حقائق مطلقة بقدر ما هي توصيفات سياسية تتغير زاوية رؤيتها بحسب الموقع، والخبرة التاريخية، والقراءة الاستراتيجية لكل طرف.
لا يمكن إنكار أن المنطقة العربية عاشت وتعيش صراعات معقدة ارتبطت فيها الأرض بالسيادة، والتاريخ بالهوية، والقوة بالتوازنات الدولية. وفي هذا السياق، نشأت حركات وقوى مسلحة وسياسية رفعت شعار مقاومة الاحتلال أو التصدي للنفوذ الخارجي، ووجدت شرعيتها عند قطاعات واسعة من الشعوب باعتبارها تعبيراً عن رفض واقع سياسي أو عسكري قائم.
لكن في المقابل، فإن اختزال المشهد في محور واحد للمقاومة باعتباره الحل الوحيد، دون مساءلة أدواته ونتائجه وتكلفته على المجتمعات، يقود إلى إشكاليات عميقة. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الشعارات الكبرى لا تكفي وحدها لصناعة استقرار أو حماية طويلة الأمد، ما لم تقترن برؤية سياسية شاملة، وبمشروع دولة قادر على إدارة الصراع لا فقط خوضه.
من جهة أخرى، فإن رفض سياسات أو أدوار إقليمية معينة لا يعني بالضرورة الوقوع في فراغ سياسي أو “تيه” كما يُقال، بل يمكن أن يفتح الباب أمام مقاربات بديلة تقوم على الدبلوماسية، وبناء الدولة، وتوازن العلاقات الدولية، وتخفيف منطق الاستقطاب الحاد الذي غالباً ما يحول الشعوب إلى وقود دائم للصراعات.
الإشكالية الحقيقية ليست في السؤال: هل نؤيد هذا الطرف أو ذاك؟ بل في السؤال الأعمق: ما هو المشروع الذي يحمي الإنسان أولاً؟ كيف تُصان الأرض دون استنزاف المجتمع؟ وكيف تُبنى قوة رادعة دون أن تتحول إلى مصدر انقسام داخلي دائم؟
إنّ ما يُوصف أحياناً بـ“التغييب أو التشويش الفكري” في الفضاء العربي ليس ظاهرة أحادية الاتجاه، بل هو نتاج تراكم طويل من الصراعات الإعلامية والسياسية والهوياتية، حيث تتداخل الحقيقة بالدعاية، والموقف بالانفعال، حتى يصبح الوصول إلى رؤية متزنة مهمة شاقة.
الخروج من هذا التعقيد لا يكون بتبني خطاب واحد مغلق، ولا برفض مطلق لأي فكرة مقاومة، ولا أيضاً بالانخراط غير النقدي في أي مشروع سياسي. بل يكون بإعادة تعريف الأولويات: الإنسان، الدولة، الاستقرار، والسيادة، ضمن إطار عقلاني لا يُختزل في شعارات ولا في ردود أفعال.
في النهاية، السؤال ليس “أين أنت من هذا الطرف أو ذاك؟” بل “أين تقف من مستقبل بلدك ومجتمعك؟”. هناك تبدأ السياسة الحقيقية، وهناك فقط يمكن أن نفهم معنى المقاومة ومعنى البدائل، بعيداً عن الاصطفاف الأعمى أو الضياع في الضجيج.