--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

بين نعمة الإيمان ونعمة العقل

Salah Kirata • ١٩‏/٤‏/٢٠٢٦

24476.jpg

بين نعمة الإيمان ونعمة العقل

ليست المشكلة في الإيمان، ولن تكون يومًا. الإيمان الحقيقي نور، والعقل الحقيقي بصيرة، وكلاهما منحة إلهية لا يجوز أن تُستخدم إحداهما لإلغاء الأخرى. المشكلة تبدأ حين يتحول الدين من قيمة روحية وأخلاقية إلى أداة تعطيل للعقل، وحين يصبح التدين مظهرًا خارجيًا يُرفع كسيف في وجه كل سؤال، وكل اعتراض، وكل محاولة للتفكير.

قرأتُ لما استيقظت باكرا تعليقا على روايتي القصيرة التي عنوانها بعنوان ( رجفة الشيخ الأخيرة) وكان التعليق يقول إنها “كلام حق يُراد به باطل”، هذا ماجاد به دماغ هذا ( الاحمدي )  وكأن مجرد مساءلة الواقع، أو نقد التشوه الذي أصاب وعينا الجمعي، أصبح جريمة أخلاقية أو خروجًا على الدين. وهنا أقول بوضوح: نعمة الإيمان لا تتعارض أبدًا مع نعمة العقل، بل إن الإيمان بلا عقل يتحول إلى طاعة عمياء، والعقل بلا ضمير يتحول إلى آلة باردة.

كما لفت انتباهي وانا أتصفح وسائط التواصل، رأيت شابًا يقف وكأنه جاء من عالم آخر، يردد ببرود غريب أن الديمقراطية كفر، وأن المطالبة بالحرية خروج عن الدين. كان يتحدث بثقة من حفظ النصوص لا من فهمها، وقد أطال لحيته وقص شاربه تنفيذًا للسنة كما يفهمها، لكنه نسي – أو جرى إنساؤه – أن القرآن نفسه يقول: “وأمرهم شورى بينهم”. نسي أن الإسلام لم يكن يومًا دعوة إلى إلغاء الإنسان، بل إلى تحريره من عبودية البشر.

ذلك الشاب لم يكن تحت تأثير مادة مخدرة، لكنه كان مخدرًا من نوع آخر: تخدير ممنهج، طويل الأمد، يبدأ من المدرسة ولا ينتهي عند المسجد، ويُصاغ بعناية داخل منظومة كاملة هدفها ليس بناء إنسان حر، بل إنتاج تابع مطيع. وهنا فقط نفهم لماذا قال ماركس عبارته الشهيرة: “الدين أفيون الشعوب”. قد نختلف مع الرجل في فلسفته، لكننا لا نستطيع إنكار أنه لمس حقيقة حين رأى كيف يمكن تحويل الدين من رسالة تحرر إلى أداة تخدير.

وليس المقصود هنا الدين نفسه، بل استخدامه السياسي والاجتماعي. الدين بريء من الذين جعلوه وسيلة لإلغاء السؤال، وقمع النقد، وتبرير الاستبداد. المشكلة ليست في الإسلام، بل في الذين صادروا الإسلام لحساب سلطتهم، وحولوه إلى سور يمنع الناس من التفكير، لا إلى جسر يعبرون به نحو العدالة والكرامة.

إن أخطر ما تتعرض له المجتمعات ليس الفقر ولا الحروب فقط، بل التخريب المنهجي للعقل. حين تبدأ السياسات التعليمية بتلقين الطفل كيف يردد لا كيف يفكر، وحين تتحول الصيحات الصباحية إلى تدريب مبكر على الطاعة، وحين تختفي تحية العلم لتحل محلها شعارات الانغلاق، فنحن لا نبني أجيالًا، بل نصنع كتل عجين بشرية قابلة لإعادة التشكيل وفق رغبة السلطة.

هذا النوع من الأنظمة لا يريد مواطنًا، بل يريد تابعًا. لا يريد عقلًا ناقدًا، بل صوتًا مكررًا. لا يريد وطنًا، بل قطيعًا. وحين يُرفع الدين شعارًا فوق هذا المشروع، تصبح الكارثة مضاعفة، لأن الاعتراض حينها لا يُصوَّر كخلاف سياسي، بل كخيانة للعقيدة نفسها.

والنتيجة الطبيعية لهذا المسار هي مجتمع يُقاد بالخوف لا بالوعي، وبالفتوى لا بالقانون، وبالتحريم لا بالحوار. مجتمع يقترب تدريجيًا من نموذج الإمارة المغلقة، حيث يصبح السؤال تهمة، والاختلاف فتنة، والحرية مؤامرة.

من يرضى أن تصبح سوريا إمارة دينية مغلقة، عليه أن يصارح نفسه أولًا: هل يريد وطنًا أم سجنًا كبيرًا باسم السماء؟ هل يريد دولة مواطنين أم مزرعة رعايا؟ وهل الإسلام الذي عرفناه حضارة وعلمًا وعدلًا، يمكن أن يُختزل في لحية طويلة وصوت مرتفع واتهام دائم للناس بالكفر؟

سوريا لا تحتاج مزيدًا من الغيبوبة، بل تحتاج يقظة. لا تحتاج من يصرخ باسم الله، بل من يعمل بعدل الله. لا تحتاج مزيدًا من الأوصياء على الجنة، بل تحتاج من يحفظ للناس حقهم في الأرض.

الإيمان الحقيقي لا يخاف من العقل، لأنه يعرف أن الحقيقة لا ترتبك أمام السؤال. أما الذين يخافون التفكير، فهم غالبًا لا يدافعون عن الدين، بل عن مصالحهم المختبئة خلفه.

ولهذا، فإن المعركة اليوم ليست بين الإيمان والكفر، كما يحاول البعض تصويرها، بل بين الوعي والتغييب، بين الإنسان الحر والإنسان المصنوع، بين وطن يُبنى بالعقول، ووطن يُدفن تحت خطب التخويف والطاعة.

ومن يختار الصمت أمام هذا الخراب، فهو لا يحافظ على الدين… بل يشارك في دفن الوطن.