
بين نبوءات “الجفر” وأوهام الجغرافيا السياسية: تفكيك سرديات الحرب والشرق الأوسط القادم:
تعود بعض الكتابات السياسية إلى توظيف النصوص الغيبية أو المرويات التراثية بوصفها مفاتيح تفسير للواقع الجيوسياسي المعاصر، وكأن خرائط القوة في الشرق الأوسط تُرسم في كتب النبوءات لا في موازين الاقتصاد والسلاح والتحالفات. ومن هنا تأتي الإشارة إلى ما يُنسب إلى “الجفر” أو غيره من المدونات الغيبية لتفسير صعود قوى أو أفول أخرى، في خلط واضح بين الرمز الديني والتفسير السياسي، وبين الميثولوجيا وصناعة القرار الدولي.
لكن المشكلة ليست في الاستدعاء الرمزي بحد ذاته، بل في تحويله إلى “عدسة تفسير شاملة” تُبنى عليها استنتاجات استراتيجية كبرى. فاختزال الصراع في المنطقة إلى صدام بين نبوءات دينية متقابلة—أياً كان مصدرها—يفقد التحليل السياسي جوهره الحقيقي: صراع مصالح، وتوازنات ردع، واقتصاد طاقة، وتفكك إقليمي، وتدخلات دولية متشابكة لا تخضع لأي سردية خطية واحدة.
إن بعض القراءات التي تتحدث عن “حروب كبرى قادمة” أو “إعادة تشكيل للعالم العربي” تبدو أقرب إلى إعادة إنتاج خطاب أيديولوجي جديد بثوب جيوسياسي، لكنه يحتفظ بالمنطق نفسه: حتميات تاريخية جاهزة، ومسارات مرسومة سلفاً، ودور خارجي شبه قدري يعيد تشكيل الإقليم. غير أن التجربة التاريخية في المنطقة منذ عقود تُظهر أن التحولات لا تُدار بهذه الحتميات، بل بنتائج توازنات دقيقة ومؤقتة، تنهار سريعاً عند أول تغير في المصالح الدولية.
وعندما يُطرح مستقبل الدول العربية، وخصوصاً الخليج وبلاد الشام، في إطار “ما بعد الحرب”، فإن التحليل الأكثر واقعية لا يقوم على افتراض انهيار منظومات كاملة أو استبدالها بمحاور جديدة كبرى، بل على قراءة هشاشة البنى القائمة نفسها: هشاشة اقتصادية في بعض الحالات، واعتماد مفرط على الحماية الخارجية في أخرى، وتضخم في أدوار إقليمية تفوق أحياناً القدرة المؤسساتية للدولة. غير أن هذه الهشاشة لا تعني بالضرورة انهياراً، بل تعني حاجة دائمة لإعادة التكيف لا الانهيار الشامل.
أما فكرة أن المنطقة مقبلة على اصطفافات كبرى ثابتة—شرق مقابل غرب أو محور إقليمي مقابل آخر—فهي قراءة تتجاهل طبيعة السياسة الدولية الحالية التي تميل إلى “التعدد المرن” لا التحالفات الصلبة. فحتى القوى الكبرى نفسها تتحرك اليوم بمنطق الصفقات الجزئية وإدارة الأزمات لا بمنطق المشاريع النهائية.
وفي ما يتعلق بلبنان والعراق، فإن اختزالهما في كونهما مجرد ساحتين لصراع نفوذ خارجي يطمس حقيقة أكثر تعقيداً: وجود أزمات داخلية بنيوية تجعل الدولة نفسها عاجزة أحياناً عن إنتاج قرار سيادي متماسك، بصرف النظر عن التدخلات الخارجية. هنا تصبح المشكلة مزدوجة: تدخل خارجي فعلي، يقابله ضعف داخلي في بناء الدولة، ما يخلق حلقة مغلقة من التعطيل السياسي.
أما في ما يخص التوتر الإقليمي بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، فإن تصويره كمسار حتمي نحو مواجهة شاملة يتجاهل أيضاً نمط “إدارة التصعيد” الذي ساد خلال السنوات الماضية، حيث تتقاطع الرسائل العسكرية مع قنوات تفاوض غير مباشرة، وتُستخدم الضربات المحدودة كأداة تفاوض لا كتمهيد لحرب مفتوحة بالضرورة.
إن أخطر ما في بعض هذه القراءات ليس تشاؤمها، بل يقينها المسبق. فحين يُصاغ المستقبل كأنه نتيجة مكتوبة في نصوص أو “نبوءات” أو حتميات جيوسياسية، يُسحب من السياسة جوهرها الأساسي: إمكانية التغيير، والمفاجأة، وإعادة التوازن عبر الفعل لا عبر الاستسلام للتوقعات.
في النهاية، لا تحتاج المنطقة إلى المزيد من سرديات “اليوم التالي” المبنية على افتراضات كبرى، بقدر ما تحتاج إلى قراءة باردة للواقع: دول تعيد تعريف أمنها، أخرى تعيد صياغة اقتصادها، وقوى دولية تعيد توزيع أولوياتها. أما المستقبل، فهو ليس نتيجة نص قديم، بل نتيجة صراع مفتوح لم يُحسم بعد، ولا يمكن أن يُحسم خارج التاريخ الفعلي، لا خارجه الرمزي.