
بين نشوة الشارع وحسابات الدولة: سوريا على مفترق التصعيد الإقليمي
في لحظات التحولات الكبرى، تنكشف الفجوة بين ما تقوله الدولة وما يشعر به الناس. هذا ما يبدو جلياً في سوريا اليوم، وهي تراقب احتدام المواجهة بين و من جهة، و من جهة أخرى. فبين خطاب رسمي يتسم بالتحفظ والدبلوماسية، ومزاج شعبي يميل إلى الشماتة والارتياح، تتشكل صورة مركبة تعكس عمق الجراح التي خلفتها سنوات الحرب والتحالفات المتشابكة.
على المستوى الرسمي، تبدو دمشق وكأنها تمشي فوق حبل مشدود. فهي تدرك أن أي انفجار إقليمي واسع لن يبقى خارج حدودها، وأن موقعها الجغرافي وتاريخها الحديث يجعلانها أكثر الدول عرضة لارتدادات النار المشتعلة حولها. لذلك يخرج الخطاب الرسمي محمّلاً بمفردات السيادة والاستقرار ورفض الاعتداءات، في محاولة واضحة لتأكيد الانتماء إلى المحيط العربي وتجنب الانزلاق إلى محور أو مواجهة مباشرة. إنها لغة حسابات الدولة: تقليل الخسائر، تحييد المخاطر، وإعادة التموضع في بيئة إقليمية شديدة التقلب.
في المقابل، لا يتحدث الشارع باللغة ذاتها. فشريحة واسعة من السوريين تنظر إلى تراجع الدور الإيراني في المنطقة من زاوية شخصية جداً؛ زاوية الألم والذاكرة والدمار. بالنسبة لكثيرين، لم يكن الحضور الإيراني في سوريا مجرد تحالف سياسي عابر، بل كان جزءاً من مشهد الحرب بكل قسوته. لذلك، فإن أي ضربة تطال رموز ذلك النفوذ تُستقبل في بعض الأوساط باعتبارها نوعاً من العدالة المتأخرة، أو على الأقل إشارة إلى نهاية مرحلة ثقيلة الوطأة.
هذا التباين لا يعني بالضرورة تناقضاً كاملاً، بل يعكس اختلاف المواقع والمسؤوليات. الدولة تفكر بمنطق البقاء والاستقرار ومنع انزلاق البلاد إلى موجة جديدة من الفوضى. أما الأفراد، فيحاكمون الأحداث بميزان التجربة الشخصية والمعاناة المباشرة. الدولة تحسب النتائج الاستراتيجية، بينما يقيس الناس الأمور بمدى اقترابهم أو ابتعادهم عن صفحة مؤلمة من تاريخهم القريب.
غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بمشاعر الفرح أو الحذر، بل بمآلات المشهد. فإذا كان النفوذ الإيراني يتراجع فعلاً، فماذا سيملأ الفراغ؟ وهل يفضي ذلك إلى استعادة القرار الوطني المستقل، أم إلى صراع نفوذ جديد بأدوات مختلفة؟ التجربة السورية خلال العقد الماضي تُظهر أن الفراغ في الشرق الأوسط لا يبقى طويلاً، وأن الجغرافيا التي تتنازعها القوى الكبرى تتحول سريعاً إلى ساحة اختبار لمعادلات جديدة.
ثمة لحظة مفصلية تعيشها سوريا اليوم: لحظة إعادة تعريف موقعها بين محيطها العربي والإقليمي، وبين إرث تحالفات سابقة ومتطلبات مرحلة مختلفة. الفارق بين خطاب السلطة ومشاعر الشارع قد يكون مؤشراً على بداية مراجعة أعمق، شرط أن يتحول هذا التباين إلى حوار داخلي حول معنى السيادة وحدود التحالفات، لا إلى مجرد ازدواجية في التعبير.
في النهاية، لا يكفي أن تنتهي حقبة نفوذ كي تبدأ أخرى أفضل. المطلوب ليس فقط تبدل اللاعبين، بل تبدل قواعد اللعبة نفسها. وسوريا، التي دفعت ثمناً باهظاً في صراعات الآخرين، تبدو اليوم أمام اختبار جديد: هل تكتفي بمراقبة التصعيد من مسافة حذرة، أم تنجح في تحويل التحولات الإقليمية إلى فرصة لاستعادة توازنها ودورها بعيداً عن الاستقطابات الحادة؟