
بين نصرة غزة وما يقوم به حزب الله اللبناني الآن…
أين تقف المصلحة العربية؟:
منذ اللحظة الأولى للعدوان الإسرائيلي المفتوح على قطاع غزة، كان موقفي واضحًا لا لبس فيه وهو:
الترحيب بكل من قرر أن يفتح جبهة في مواجهة إسرائيل دعمًا لأهلنا المحاصرين في القطاع، وفي هذا السياق، لم أتردد في إعلان تأييدي لدخول الحوثيين وحزب الله إلى ساحة المواجهة، باعتبار أن ما يتعرض له الفلسطينيون في غزة ليس مجرد جولة عسكرية عابرة، بل عدوان شامل يستهدف الإنسان والأرض والوجود الفلسطيني ذاته، وقد قلت هذا جهارا نهارا وعلى رؤوس الأشهاد وفي العديد من الفضائيات العربية والعالمية، لم يكن منها أي محطة سورية لافي ظل النظام الساقط ولا في ظل النظام الصاعد...
لقد بدا، في تلك اللحظة، أن أي جهد يساهم في تخفيف الضغط عن غزة أو يربك الحسابات العسكرية الإسرائيلية هو أمر مشروع، بل طبيعي، ولم يكن جوهر هذا الموقف مرتبطًا بالخلفيات السياسية أو الحسابات الإقليمية التي قد تكون دفعت هذه الأطراف إلى دخول الحرب، بل انطلقت أساسًا من حقيقة إنسانية وسياسية واضحة:
(أن غزة كانت تقاتل وحدها في مواجهة آلة حرب هائلة)...
ولعل الحوثيين كانوا الأكثر وضوحًا عندما أعلنوا أن مطلبهم الأساس هو رفع الحصار عن غزة، وهو مطلب لا يمكن لأي عربي، بل لأي إنسان، أن يجادل في شرعيته أو عدالته، فرفع الحصار عن أكثر من مليوني إنسان يعيشون في سجن مفتوح هو قضية إنسانية قبل أن تكون قضية سياسية.
غير أن المشهد الإقليمي الآن مختلف جدا، ولا تجوز فيه مجرد المقارنة، فالصراع الدائر منذ ليس لنا فيه كعرب مصلحة إلا الدفاع عن النفس أن وقع على اي بلد العدوان وهنا اقصد دول الخليج العربي جراء الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى...
هنا تحديدًا يصبح من الضروري إعادة طرح السؤال:
- أين تقف المصلحة العربية في هذا الصراع؟..
إن الموقف الذي بدا مشروعًا عندما كان الهدف المباشر هو تخفيف الضغط عن غزة، يفقد مشروعيته عندما يتحول إلى فتح جبهات عربية لخدمة أجندات إقليمية لا تعبر بالضرورة عن المصالح العربية، فليس من المقبول، ولا من المنطقي، أن تتحول أراضي أو مقدرات دول عربية إلى ساحات صراع بالوكالة بين قوى إقليمية ودولية...
فالعرب، ببساطة، ليسوا طرفًا في الصراع الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. ومصلحتهم لا تكمن في الاصطفاف خلف أي من هذين المعسكرين، بل في حماية أوطانهم وشعوبهم واستقرارهم وسيادتهم...
لذا فإن فتح جبهات عربية لمصلحة أي قوة إقليمية – مهما رفعت من شعارات المقاومة – لا يمكن اعتباره عملاً قوميًا أو وطنيًا، فالوطنية لا تعني تحويل بلادنا إلى ساحات حرب، ولا تعني تعريض شعوبنا واقتصاداتنا وبنانا التحتية لمخاطر لا علاقة لها بالدفاع عن مصالحنا المباشرة...
ومن هنا يصبح التمييز ضروريًا بين أمرين مختلفين تمامًا:
الأول:
دعم الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وهو واجب أخلاقي وسياسي وقومي لا جدال فيه...
الثاني:
الزج بالدول العربية في صراعات إقليمية تخدم استراتيجيات قوى أخرى، وهو أمر يجب رفضه بوضوح...
وفي هذا السياق تحديدًا، فإن أي اعتداء يطال دول الخليج العربية أو يستهدف شعوبها أو مصالحها أو بناها التحتية هو اعتداء مرفوض ومدان بشكل قاطع. فسيادة هذه الدول وأمنها واستقرارها ليست أوراقًا في لعبة الصراعات الإقليمية، بل حقوق أصيلة لشعوبها...
وهنا لا ينبغي الخلط هنا بين استهداف منشآت عسكرية أمريكية – حيثما وجدت – وبين استهداف الدول العربية نفسها أو تعريضها للمخاطر، فالدفاع عن السيادة الوطنية يظل حقًا مشروعًا لأي دولة، لكن تحويل أراضي العرب إلى ساحة لتصفية حسابات الآخرين هو أمر مختلف تمامًا...
للعلم هنا:
فإن التجارب القاسية التي مر بها العالم العربي خلال العقود الماضية تؤكد أن أكبر الخسائر وقعت عندما تحولت بعض الدول العربية إلى ميادين صراع بالوكالة. ففي مثل هذه الحروب لا ينتصر أحد، بينما يدفع المواطن العربي الثمن الأكبر من أمنه واستقراره ومستقبله...
الخلاصة:
في تقديري، لا يتعارض دعم القضية الفلسطينية مع الدفاع عن المصالح العربية، بل إن الاثنين يجب أن يسيرا معًا، غير أن الخطر يكمن حين يجري توظيف معاناة الفلسطينيين لتبرير صراعات إقليمية أوسع لا تخدمهم ولا تخدم العرب...
علماً:
أن القضية الفلسطينية كانت وستبقى قضية العرب المركزية، لكن الدفاع عنها لا يجب أن يتحول إلى ذريعة لفتح جبهات تخدم مشاريع الآخرين، فالمعيار الحقيقي لأي موقف عربي يجب أن يبقى واضحًا: حماية الإنسان العربي، وصون سيادة الدول العربية، ومنع تحويل منطقتنا مرة أخرى إلى ساحة حرب تدفع شعوبها ثمنها وحدها.