
بين نيويورك وبيروت… فرصة أخيرة لصفقة تُعيد تعريف الدولة والسلاح
تجري اليوم في نيويورك مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، بحضور وزير الخارجية الأمريكية، في لحظة إقليمية ودولية بالغة الحساسية، وبملف هو الأكثر تعقيداً في المشهد اللبناني: مسألة سلاح حزب الله ومستقبل الصراع على الحدود الجنوبية.
وبغضّ النظر عن المواقف المسبقة المؤيدة أو الرافضة، وعن الانقسام الداخلي اللبناني الذي بات شبه مزمن حول دور السلاح خارج الدولة، فإن اللحظة تبدو وكأنها تُفتح على احتمال نادر: إمكان تحويل ملف مفتوح منذ عقود إلى صفقة سياسية شاملة، إذا توفرت الإرادة والجرأة.
في هذا السياق، يمكن القول إن أي تفاوض لا يذهب إلى الجذور سيبقى مجرد إدارة للأزمة لا حلّاً لها. فجوهر المشكلة ليس في التفاصيل التقنية أو الترتيبات الحدودية وحدها، بل في معادلة أكبر: دولة بلا احتكار كامل لقرار الحرب والسلم، مقابل طرف مسلح يملك قدرة التأثير على القرار الوطني خارج الأطر الدستورية.
من هنا، يبرز طرح واضح ومباشر: إذا كان الحديث يدور حول تسوية تاريخية، فإن المنطق السياسي البارد يقول إن أي تنازل كبير في ملف السلاح لا يمكن أن يكون مجانياً أو من طرف واحد. بل يجب أن يُقابل بضمانات نهائية وواضحة، وفي مقدمتها انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، ووقف كل أشكال الاعتداءات، والتوصل إلى اتفاق عدم اعتداء مُلزِم دولياً، يضع حداً دائماً لدائرة الحرب المتكررة.
عندها فقط يمكن فتح الباب أمام انتقال السلاح بالكامل إلى الدولة اللبنانية، وتحديداً إلى الجيش اللبناني، باعتباره المؤسسة الشرعية الوحيدة المخولة بحمل السلاح والدفاع عن السيادة. أما استمرار الوضع الرمادي الحالي، فلا يعني سوى إعادة إنتاج الأزمة نفسها بأشكال مختلفة، وتأجيل الانفجار المقبل لا منعه.
إن الفكرة الجوهرية هنا ليست في الانحياز لطرف ضد آخر، بل في إعادة تعريف مفهوم الدولة نفسه. فالدولة التي لا تحتكر القوة، تبقى دولة منقوصة السيادة، مهما تعددت شعاراتها. وفي المقابل، لا يمكن لأي قوة مسلحة غير رسمية أن تتحول إلى بديل دائم عن الدولة، مهما امتلكت من شرعية اجتماعية أو سياسية في لحظة ما.
ومن هذا المنظور، فإن أي حل حقيقي لا بد أن يقوم على صفقة متوازنة: أمن مقابل أمن، وانسحاب مقابل تسليم كامل للسلاح، وضمانات دولية واضحة تمنع العودة إلى مربع المواجهة. غير ذلك، سيبقى الدوران في الحلقة نفسها: تهديد، ردع، تصعيد، ثم هدنة مؤقتة.
قد تكون مفاوضات نيويورك فرصة نادرة لإعادة فتح هذا الملف على أسس جديدة، لكن نجاحها لا يُقاس فقط بما يُقال في القاعات المغلقة، بل بقدرتها على إنتاج معادلة نهائية تُنهي حالة الاستثناء الطويلة في لبنان.
وفي النهاية، يبقى السؤال الجوهري: هل يمكن تحويل الأزمة إلى تسوية تاريخية؟ أم أن الجميع سيعود مرة أخرى إلى إدارة الصراع بدل حسمه؟
الجواب لن تحدده الخطابات، بل شجاعة القرار عندما يحين وقت التوقيع.