
بين رفض الاصطفاف وواجب قول الحقيقة كما أراها:
أنا لست في موقع الاصطفاف الأعمى مع النظام السوري الحالي، كما أنني أرفض روحًا ونصًا مشروع الإسلام السياسي، ولي مع هيئاته وتجلياته تاريخ شخصي يعود إلى ما يقارب نصف قرن، وتحديدا ليوم ١٦ / ٦ / ١٩٧٩ الذي نفذت به من سميت وقتها "الطليعة المقاتلة"مجزرة كلية مدفعية الميدان مما أدى إلى استشهاد كوكبة من طلاب الكلية وجرح آخرين...
لذا فهذا ليس موقفًا عابرًا ولا انفعالًا لحظيًا، بل خلاصة تجربة طويلة ومعقدة، دفعتني دائمًا إلى الوقوف خارج القوالب الجاهزة التي تُطلب من الناس في لحظات الاستقطاب الحاد...
أنا أيضًا لم أتحمس للرئيس الشرع لمجرد أنه قدّم اعتذارًا، لكنني في الوقت ذاته دافعت عن فكرة إنصاف رجل متقدم في السن وقد أخطأ التعبير لكن بحسن نية، فالموقف الأخلاقي لا يُبنى على الرغبة في الانتقام، بل على القدرة على التمييز بين الخطأ المقصود والخطأ الناتج عن التعقيد والظروف...
لكن كل هذا لا يعني أنني أقبل أن نغلق عيوننا، أو نصم آذاننا، أو نُعيد تشكيل الواقع بما يرضي طرفًا دون آخر. فالحقيقة " كما أؤمن بها " ليست ملكًا لأحد، ولا يجوز أن تُختزل في سردية واحدة مهما كانت قوية أو مدعومة...
ما أريد أن أقوله هو :
في الأيام التي قيل لنا إنها شهدت أحداثًا خطيرة في 6 و7 و8 من آذار 2025، تحدثت روايات عن محاولة انقلاب عسكري، وعن تحركات امتدت من جبال الساحل السوري كرأس حربة إلى مناطق أخرى في الجنوب والشمال الشرقي، ولأكون واضحا ومحددا من جبل العرب جنوبا، ليس بكل سكانه إلى قسد شمال شرق سورية، اذ تكن الصورة واحدة، بل كانت مجموعة روايات متضاربة، بعضها رسمي وبعضها مضاد، وبعضها الآخر مبني على الصمت أو التلميح...
شخصياً:
لا أتعامل مع هذه الروايات كحقائق نهائية مغلقة، ولا كأكاذيب مطلقة،لكنني أتعامل معها كجزء من مشهد سياسي وأمني مضطرب، حيث تختلط الوقائع بالتأويل، وتُستخدم اللغة لتثبيت الرواية لا لنقل الحقيقة فقط، وفي مثل هذه اللحظات، يصبح السؤال الأهم ليس:
- من قال؟..
بل:
- ماذا حدث فعلًا؟..
- وما الذي لم يُقل؟..
أنا:
أدرك تمامًا أن كل طرف في لحظات الفشل أو الإخفاق يعيد صياغة نفسه بلغة المظلومية، فحين يفشل مشروع ما، تتحول الهزيمة إلى سردية “اضطهاد”، بينما حين ينجح، يُعاد تقديم الفعل نفسه بوصفه ضرورة أو إنقاذًا أو تصحيحًا لمسار التاريخ، وهكذا تُعاد كتابة السياسة بلغة الضحية والبطل في آن واحد، بحسب زاوية النظر...
وعليه:
غأنا لا أتبنى هذه المظلومية كحقيقة مطلقة، ولا أرفضها كليًا، لكنني أرى أنها جزء من آلية الصراع السياسي في سورية، حيث تتحول كل واقعة إلى مادة قابلة للتفسير المتناقض، وتُستخدم الذاكرة كساحة مواجهة موازية للواقع...
ومع كل هذا، أتمسك بفكرة أساسية:
لا يجوز أن نُغلق أعيننا لنرضي أحدًا، ولا أن نصم آذاننا كي نتجنب الإزعاج، فالحقيقة لا تصبح أقل قيمة لأنها مزعجة، ولا أكثر صدقًا لأنها توافق ميولنا. الحق يظل حقًا حتى لو قاله خصمنا، ويظل باطلًا حتى لو تبنّاه أقرب الناس إلينا...
إن موقفي ليس انحيازًا لطرف، ولا تبريرًا لآخر، بل هو محاولة دائمة للبقاء في مساحة الوعي، حيث لا تتحول السياسة إلى دين، ولا تتحول الخصومة إلى عمى. فبين الرفض الكامل لكل الاصطفافات، والالتزام الكامل برؤية الواقع، توجد منطقة صعبة لكنها ضرورية:
(منطقة الشهادة على الحقيقة كما هي، لا كما نريدها أن تكون).