
بين شعار البناء وصمت الحقيقة… أين تتقدّم سورية؟
مرّت أكثر من سنة ونصف على تغيّر كبير في المشهد السياسي، تغيّر وُعِد فيه الناس بالكثير، وراهن البعض على أنّه سيكون بداية مسار جديد يعيد ترتيب الأولويات ويضع البلاد على سكة التعافي. لكن مع مرور الوقت، بدأ السؤال البسيط يفرض نفسه بإلحاح: ماذا تغيّر فعلاً على الأرض؟
في الخطاب العام، تراجعت مفردة “الديمقراطية” إلى الخلف، وكأنها أصبحت كلمة ثقيلة لا تُستخدم إلا بحذر، أو تُستبدل بتفسيرات متناقضة. فمرة تُقدَّم بوصفها فكرة دخيلة لا تنسجم مع الواقع، ومرة أخرى يُقال إنها هدف مؤجَّل، سيأتي لاحقاً بعد إنجاز “البناء”. لكن هذا البناء نفسه يظل غامضاً، بلا تعريف واضح أو مؤشرات ملموسة يمكن للناس أن يلمسوها في حياتهم اليومية.
وحين يُطرح السؤال البديهي عن شكل هذا البناء، وعن نتائجه الفعلية، لا نجد إجابات مقنعة بقدر ما نجد وعوداً عامة أو أمثلة متفرقة لا ترسم صورة متكاملة. مشاريع تُعرض هنا وهناك، أو خطوات اقتصادية تُقدَّم باعتبارها إنجازات كبرى، بينما يبقى الواقع المعيشي للكثيرين بعيداً عن أي تحسّن حقيقي أو مستدام.
وفي المقابل، يُعاد تكرار خطاب آخر يربط الديمقراطية بالغرب، وكأنها منتج غريب عن بيئتنا، بينما يتم في الوقت نفسه استخدام كل ما هو “غربي” في تفاصيل حياتنا اليومية من أدوات وتقنيات وبُنى تحتية واتصالات. هذا التناقض يفتح باب التساؤل: هل المشكلة في المفهوم ذاته، أم في الطريقة التي يُستخدم بها لتأجيل الاستحقاقات السياسية إلى أجل غير مسمّى؟
المقلق في الأمر ليس الجدل النظري حول المصطلحات، بل الفجوة المتزايدة بين الخطاب والواقع. فحين يُختزل “البناء” في عناوين اقتصادية أو مشاريع استثمارية محدودة، دون إطار سياسي واضح يضمن المشاركة والمساءلة، يصبح الحديث عن المستقبل أقرب إلى التمني منه إلى التخطيط.
في النهاية، لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض بالاعتماد على الشعارات وحدها، ولا يمكن لأي مشروع أن ينجح إذا فقد الناس قدرتهم على فهمه أو الثقة به. فالمعيار الحقيقي لأي مرحلة ليس ما يُقال عنها، بل ما يلمسه المواطن في حياته اليومية من تحسن أو تراجع.
وإذا استمر هذا التباين بين الخطاب والواقع، فإن الخسارة لن تكون سياسية فقط، بل اجتماعية واقتصادية عميقة، سيدفع ثمنها الجميع، لأن البلدان لا تُبنى بالوعود… بل بالوضوح.