--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

بين صناعة الوهم السياسي وحدود الواقع اللبناني.. قراءة تفكيكية في سردية “السلام المفروض”

Salah Kirata • ١٧‏/٤‏/٢٠٢٦

23280.png

بين صناعة الوهم السياسي وحدود الواقع اللبناني.. قراءة تفكيكية في سردية “السلام المفروض”

في كثير من الخطابات السياسية التي تُبنى على لحظات وقف إطلاق النار، يظهر إغراء تحويل الهدنة إلى “لحظة تأسيس” لنظام إقليمي جديد، وكأن توقف النار يعني تلقائياً بدء هندسة سياسية مختلفة. غير أن هذا النوع من القراءة، رغم جاذبيته، غالباً ما يعيد إنتاج تصور مبسّط للصراع، ويحوّل التوازنات المعقدة إلى سردية خطية: طرف قوي يفرض، وطرف ضعيف يتلقى، ووسيط خارجي يرسم النهاية.

المقال الذي يدفع باتجاه هذا التصور ينطلق من فرضية مركزية مفادها أن وقف إطلاق النار في لبنان هو نتاج قرار أمريكي أحادي، وأن لبنان يتعامل معه كوسيلة لتكريس مقاطعة سياسية لإسرائيل، وأن الحل النهائي يكمن في تجاوز هذا “التحفظ اللبناني” عبر مسار تطبيع مباشر. غير أن هذه الفرضية، عند تفكيكها، تكشف عن بنية تحليلية تتجاهل تعددية الفاعلين، وتُسقط على الواقع منطقاً تفاوضياً أحادياً لا يطابق طبيعة الساحة اللبنانية.

أول ما يلفت في هذا البناء هو تحويل الوساطة الدولية إلى نوع من “الإملاء السياسي”. هذا التوصيف يتجاهل أن آليات وقف إطلاق النار في النزاعات المركبة لا تُدار من مركز واحد، بل تتشكل من شبكة مصالح متقاطعة تشمل أطراف القتال، والوسطاء الدوليين، والدول الإقليمية، وحتى حسابات الداخل السياسي لكل طرف. في الحالة اللبنانية، لا يمكن فهم أي تهدئة خارج توازن الردع القائم، ولا خارج حدود القدرة على التصعيد والانضباط في آن واحد. وبالتالي، اختزال العملية في قرار صادر من واشنطن يُنتج صورة ناقصة، أقرب إلى خطاب تعبوي منها إلى تحليل بنيوي.

ثانياً، يقوم الطرح على افتراض أن المشكلة الأساسية تكمن في “موقف لبناني موحد يرفض التحول السياسي”، بينما الواقع يشير إلى بنية داخلية شديدة التشظي، لا يمكن اختزالها في إرادة واحدة أو قرار مركزي. الدولة اللبنانية ليست فاعلاً متجانساً، بل ساحة تفاوض دائمة بين قوى سياسية وأمنية واجتماعية متباينة، تتأثر بدورها بتوازنات إقليمية أوسع. هذا يعني أن أي توصيف يجعل من لبنان “طرفاً يرفض أو يقبل” يتجاهل طبيعة النظام السياسي نفسه، ويحوّل التعقيد البنيوي إلى خيار أخلاقي مبسط.

ثالثاً، تبرز في هذا الخطاب فكرة أن التطبيع المباشر يمثل “المسار الطبيعي” لإنهاء الصراع، وكأن العقبة الأساسية هي غياب الإرادة السياسية فقط. غير أن هذا التصور يتجاهل أن العلاقات بين الدول لا تُبنى على الرغبة السياسية المجردة، بل على توافر شروط أمنية ومؤسساتية تضمن استدامة أي اتفاق. في الحالة اللبنانية تحديداً، لا يمكن فصل أي تسوية عن مسألة احتكار الدولة للسلاح، وعن موقع القوى غير الحكومية في معادلة الردع، وعن التداخل الإقليمي الذي يجعل من لبنان ساحة أكثر منه قراراً منفرداً.

رابعاً، هناك ميل واضح إلى قراءة وقف إطلاق النار كتحول استراتيجي نهائي، بينما هو في الواقع جزء من ديناميكية طويلة من “إدارة الصراع” وليس إنهائه. هذه النقطة تحديداً تكشف الفجوة بين الخطاب والواقع: فالتاريخ القريب في الجبهة الشمالية يظهر أن الهدن ليست نقاط نهاية، بل محطات إعادة تموضع، تتغير فيها قواعد الاشتباك دون أن تتغير البنية الأساسية للصراع. وبالتالي، الحديث عن لحظة حاسمة تعيد تشكيل المنطقة يتجاهل الطبيعة التدرجية للصراعات الممتدة.

خامساً، يغفل هذا الطرح أيضاً أن الفاعل الخارجي نفسه—حتى لو كان مؤثراً—لا يعمل خارج حدود التوازنات المحلية والإقليمية. الولايات المتحدة، كما أي وسيط، لا تفرض هندسة مكتملة، بل تدير تضارب مصالح بين أطراف متعددة، وتحاول إنتاج صيغة قابلة للصمود لا صيغة مثالية. لذلك، تصوير دورها كأنه “إدارة مباشرة للقرار اللبناني” لا يعكس آلية العمل الدبلوماسي بقدر ما يعكس رغبة في تبسيط معقد.

في المحصلة، الإشكال الأساسي في هذا النوع من السرديات لا يكمن في الطموح إلى استقرار المنطقة، بل في افتراض أن الاستقرار يمكن أن يُصاغ من الأعلى عبر إعادة ترتيب سياسية سريعة تتجاهل البنية الداخلية للدول. التجارب المقارنة تشير إلى أن أي تسوية لا تنبع من الداخل ولا تراعي توازناته الدقيقة، تبقى عرضة للاهتزاز حتى لو حظيت بدعم دولي واسع.

وبهذا المعنى، فإن وقف إطلاق النار لا يمثل بداية “نظام جديد” بقدر ما يعكس استمرار إدارة صراع طويل، تتداخل فيه القوة مع الردع مع السياسة، دون أن يملك أي طرف القدرة على فرض خاتمة نهائية منفردة.