--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

بين تبدّل الموازين وارتباك الداخل: لبنان على أبواب مرحلة جديدة

Salah Kirata • ١٨‏/٤‏/٢٠٢٦

24099.jpg

بين تبدّل الموازين وارتباك الداخل: لبنان على أبواب مرحلة جديدة:

في السياسة، لا شيء يبقى ثابتا، فمن يقرأ المشهد الإقليمي اليوم يدرك أن المنطقة تقف أمام لحظة انتقالية حقيقية، لا تشبه ما سبقها، وأن كثيراً من العناوين التي حكمت السنوات الماضية بدأت تتآكل أمام وقائع جديدة تفرض نفسها على الجميع، من واشنطن إلى طهران، ومن تل أبيب إلى بيروت.

الولايات المتحدة التي منحت إسرائيل طوال الأشهر الماضية غطاءً مفتوحاً للعدوان على لبنان، تبدو اليوم أقل اندفاعاً نحو استمرار الحرب، ليس حباً بلبنان ولا حرصاً على شعبه، بل لأن الحسابات الأميركية نفسها بدأت تتغيّر. واشنطن اكتشفت أن إدارة الحروب شيء، والتحكم بنتائجها شيء آخر تماماً. وعندما تتجاوز كلفة المغامرة حدود القدرة على الاحتمال، يصبح التراجع جزءاً من البراغماتية لا من الأخلاق.

الإدارة الأميركية تدرك أن الاستنزاف المفتوح في المنطقة لم يعد يخدم مصالحها كما كانت تتصور، وأن الرهان على كسر إيران أو إخضاع محور المقاومة بالكامل لم يحقق النتائج المرجوة. بل على العكس، أظهرت التطورات أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لصناعة التسويات، وأن منطق الإملاء لا يصنع استقراراً دائماً.

من هنا، تبدو الإشارات الآتية من واشنطن لافتة. الحديث لم يعد فقط عن وقف النار أو تخفيف التوتر، بل عن احتمالات تفاهمات أوسع تشمل ملفات النفط والطيران والعراق ولبنان وحتى اليمن. هذا ليس تفصيلاً تقنياً، بل مؤشر إلى أن الأميركيين يعيدون رسم أولوياتهم، وأن فكرة الشراكة المشروطة مع إيران بدأت تنافس فكرة المواجهة المفتوحة معها.

إذا حدث ذلك، فإن إسرائيل ستكون أول المتضررين سياسياً، لأن مشروع بنيامين نتنياهو بُني أساساً على تحويل الحرب إلى قدر دائم، وعلى تسويق نفسه باعتباره الحارس الوحيد لكيان يعيش على الخوف. لكن حين تبدأ واشنطن نفسها بالبحث عن تسوية مع الخصم الذي شيطنته تل أبيب لسنوات، يصبح نتنياهو أمام مأزق وجودي لا مجرد أزمة حكومية.

الكيان الذي اعتاد العيش على صناعة الأعداء سيجد نفسه مضطراً للبحث عن رواية جديدة، لأن استمرار الحرب يحتاج دائماً إلى مبرر، وعندما تسقط الذرائع، يبدأ الانكشاف الحقيقي. عندها لا تعود المشكلة في الجبهة العسكرية فقط، بل في بنية المشروع كله.

أما في لبنان، فإن الصورة أكثر تعقيداً، لأن الداخل اللبناني لا يتحرك فقط وفق حساباته المحلية، بل يتأثر مباشرة بكل ارتجاج إقليمي. المقاومة التي خرجت من المواجهة الأخيرة أكثر رسوخاً في معادلة الردع، لا تنظر إلى الاعتداءات الإسرائيلية كحوادث منفصلة، بل كاختبار دائم لميزان القوة ولحدود الرد.

أي محاولة إسرائيلية لإعادة قواعد الاشتباك إلى ما قبل الحرب ستعني تلقائياً فتح الباب أمام مرحلة جديدة من المواجهة. الاحتلال لا يستطيع أن يبقى في الأرض اللبنانية ويطلب في الوقت نفسه هدوءاً دائماً، لأن بقاء الاحتلال نفسه هو تعريف مستمر للحرب، مهما تغيرت العناوين الدبلوماسية.

في المقابل، تبدو السلطة اللبنانية وكأنها تدخل مرحلة إعادة تموضع سياسي. الحديث عن تعديل حكومي أو حتى انتخابات نيابية مبكرة لم يعد مجرد تسريب عابر، بل صار جزءاً من نقش فعلي حول شكل المرحلة المقبلة. رئيس الجمهورية يدرك أن ما بعد الحرب لا يمكن إدارته بالأدوات نفسها، وأن الحكومة الحالية لم تعد قادرة على حمل التوازنات المطلوبة داخلياً وخارجياً.

رئيس الحكومة نواف سلام يواجه مأزقاً واضحاً، ليس فقط بسبب ضعف الغطاء السياسي، بل لأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى شخصية أكثر قدرة على تدوير الزوايا وأقل ميلاً إلى الاشتباك مع القوى الأساسية في الداخل، وعلى رأسها المقاومة. لبنان لا يحتمل اليوم رئيس حكومة يفتح معارك إضافية، بل يحتاج إلى إدارة هادئة تمنع الانفجار وتؤسس لتسويات صعبة لكنها ضرورية.

من هنا يعود اسم نجيب ميقاتي إلى التداول بقوة، لا باعتباره خياراً مثالياً، بل باعتباره شخصية تملك الحد الأدنى من القبول المتقاطع بين القوى المتناقضة، إضافة إلى شبكة علاقات خارجية يحتاجها البلد بشدة في هذه اللحظة الدقيقة. السياسة اللبنانية لا تبحث غالباً عن الأفضل، بل عن الممكن.

أما السعودية، فرغم حضورها في خلفية المشهد، فإن أولوياتها لم تعد لبنانية بالدرجة الأولى. اليمن يسبق بيروت، وأمن الخليج يتقدم على تشكيل الحكومات في لبنان. الرياض تنظر إلى الإقليم بعين أوسع، وتعرف أن أي استقرار فعلي يبدأ من تسويات كبرى لا من تبديل أسماء في السراي الحكومي.

لبنان إذاً ليس أمام تغيير حكومي فقط، بل أمام إعادة صياغة كاملة للمرحلة. المنطقة تتحرك بسرعة، واللاعبون الكبار يعيدون ترتيب الأوراق، ومن لا يقرأ التحولات مبكراً سيدفع ثمن التأخر لاحقاً.

المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة انتصارات مجانية لأحد، بل مرحلة تفاهمات قسرية تفرضها الوقائع. ومن يفهم ذلك أولاً، سيكون الأقدر على البقاء في قلب اللعبة، لا على هامشها.