--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

بين ذاكرة المجزرة وسؤال الدولة... سورية بين العنف المؤسس وإشكالية الخلاص الوطني

Salah Kirata • ٢٦‏/٤‏/٢٠٢٦

23842.png

بين ذاكرة المجزرة وسؤال الدولة... سورية بين العنف المؤسس وإشكالية الخلاص الوطني:

في سياق قراءةٍ ذات طابعٍ وطني خالص، تستند إلى تجربة شخصية ومعايشة زمنية دقيقة، أطرح هذه الرؤية بوصفها شهادة رأي وتحليل لما تراكم في الذاكرة السورية من أحداث دامية وتداعيات سياسية وأمنية ما زالت آثارها حاضرة في بنية الدولة والمجتمع حتى اليوم...
كنتُ طالب ضابط متوسط في كلية مدفعية الميدان، حين وقع الحدث الدموي الذي ارتبط بما قام به المجرم إبراهيم اليوسف من تسهيل دخول جماعة إسلامية متطرفة لقّبت نفسها بـ "الطليعة المقاتلة"،وقد قرأت في حينه، وما زلت أرى حتى اليوم، أن هذا الانشقاق داخل بنية جماعة الإخوان المسلمين المتشددة لا يعدو كونه إجراءات احترازية تهدف إلى الحفاظ على "خط الرجعة"، إذ أن قناعتي الراسخة أن معظم التنظيمات الإسلاموية المتطرفة إنما ولدت من خاصرة هذه جماعة (الإخوان المسلمين)،بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

كان ذلك في مساء يوم السبت الذي صادف 16/6/1979، في ما عُرف لاحقاً بمجزرة (كلية مدفعية الميدان)...
ومن الثابت في أنظمة الخدمة العسكرية أن طلاب الضباط يُحظر إشراكهم في أي أعمال قتالية أو أمنية، باعتبارهم ما زالوا في مرحلة الدراسة، أي أنهم من حيث التوصيف القانوني والعسكري هم طلبة جامعة عسكرية، رغم حملهم صفة "ضباط قيد التخرج".

لكن ما حدث هو أن إبراهيم اليوسف، بتعاونه مع هذه قتلة من هذه المجموعة امثال ( عدنان العقلة- حسني عتبة) أدى إلى مقتل 38 ضابطاً، و33 منهم فارقوا الحياة فور وقوع الجريمة، وخمسة من الجرحى ممن كانوا قد أصيبوا بإصابات بليغة، وجرح ٥٦ طالب ضابك، كل هذا تم في وقت لم يكن فيها الضحايا إلا طلاباً على مقاعد التدريب، ولم يكونوا من طائفة واحدة، بل من مختلف الانتماءات، إلا أن الغالبية العددية من العلويين بحكم عدد الملتحقين للكلية وكتيبة وتناسب داخل الكلية، ما يجعل نسبة الشهداء منهم مرتفعة حسابياً ومنطقياً، وقد تصل "وفق تقدير نسبي " إلى أكثر من 80% من إجمالي الضحايا...

وفي سياق متصل، شهدت اليوم خطاباً لأحد الأشخاص الذي قدّم نفسه على أنه شقيق أو شاهد على المجرم (إبراهيم اليوسف)، وذهب في روايته إلى حد القول إن اللواء مصطفى التاجر كان يرتعد ويتغير وجهه عند ذكر اسم إبراهيم اليوسف، واصفاً الأخير اي المجرم بأنه كان "عنواناً لمكارم الأخلاق"، ثم واصل هذا الخطاب الزائف بادعاء أن إبراهيم اليوسف أراد أخذ طلاب الكلية كرهائن لمقايضتهم بمساجين سجن تدمر، وهو طرح أراه كذباً صريحاً ومجافياً للواقع فقد كنت موجودا وليس قيل عن قال...

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل بدا المتحدث وكأنه يقرأ نصاً محفوظاً، مما يثير تساؤلاً مشروعاً حول وجود جهات تقف خلف هذا النوع من الخطاب في هذا التوقيت بالذات، بما يوحي بتوظيف الذاكرة السياسية في معارك الحاضر...

وبالتوازي، تابعنا بالأمس خبر إلقاء القبض على المجرم أمجد يوسف، المعروف بلقب "سفاح التضامن"، المتهم بقتل وحرق 41 مدنياً من أبناء حي التضامن، وهي جريمة هزّت الضمير الإنساني لبشاعتها، سواء ارتُكبت بشكل فردي أو ضمن منظومة أوامر أعلى، إذ يصعب تصور قيام شخص بهذه الأفعال دون غطاء أو مهمة أو توجيه...

أمام هاتين الجريمتين ومثلهم آلاف الجرائم التي تفوح منها رائحة العفونة التاريخية المتجسدة بـ ( الطائفية)، تختلف السياقات وتتشابه البشاعة، لكن الجامع بينهما هو السؤال الأخلاقي والوطني العميق:

 كيف يمكن لمثل هذه النماذج أن تنشأ داخل مجتمع واحد؟..

ويبقى السؤال مفتوحاً بلا إجابة سهلة:

- أين تربى هؤلاء وأمثالهم من السوريين، وهم "للأسف" ليسوا قلة؟..
- أي ثقافة تلك التي تنتج استعداداً للقتل على أساس الدين أو الطائفة أو الرأي؟..
- وكيف يمكن لوطن أن يُبنى في ظل وجود أفراد سقطت عنهم شروط الإنسانية ذاتها؟..

ومن هنا، لا بد من التوقف عند سؤال أكثر عمقاً يتعلق بالبنية السياسية والتاريخية للدولة السورية الحديثة، حيث أرى أن حافظ الأسد "في قراءتي الشخصية" لم يبدأ من فراغ، بل بنى على أنماط سلوك كانت موجودة بالفعل في المجتمع السوري، لا من باب التبرير بل من باب الوصف، وأعتقد أن ما حدث في كلية مدفعية الميدان كان لحظة مفصلية أطلقت يد النظام نحو التفرد الكامل بالسلطة...

وهنا يظهر السؤال الأخطر وهو ط:

- هل قامت "الطليعة المقاتلة" بجريمتها لحساب حافظ الأسد؟..
- أم أن حافظ الأسد هو من استدرج هذا العنف، ليصل إلى مرحلة جعل فيها سورية أرضاً وشعباً جزءاً من معادلة حكم شخصية ومغلقة؟..

ختاماً:
إن الحالة السورية، بطبيعتها التاريخية والسياسية، حالة إشكالية مركبة، لا يمكن اختزالها في طرف واحد أو تفسير واحد، فنحن أمام تراكم طويل من العنف، والاستقطاب، وتسييس الهوية، وتفكك الثقة بين الدولة والمجتمع...
والخروج من هذا الواقع اللئيم والأليم في آن واحد، لا يمكن أن يتم عبر إعادة إنتاج العنف أو إعادة تدوير الروايات الانتقائية، بل عبر مسار وطني شامل يقوم على:

- كشف الحقيقة التاريخية كاملة دون انتقاء أو تسييس...
- إرساء عدالة انتقالية حقيقية لا انتقامية...
- تفكيك خطاب الكراهية الطائفي والسياسي في التعليم والإعلام، وهذا ليس بمقدور أي جماعة دينية إسلامية أو غير اسلامية، لأنه لا يمكن لهذا أن يتم إلا في ظل دولة مدنية ديموقراطية، دولة قانون ومواطنة، يتساوى بها الجميع في الحقوق والواجبات ظل ريادة تكافؤ الفرص...
- بناء دولة قانون تعلو فوق الجماعات والولاءات الضيقة...
- إعادة تعريف مفهوم المواطنة على أساس الإنسان لا الانتماء الفرعي...

فالدولة التي لا تواجه ماضيها بشجاعة، تبقى أسيرة له، والمجتمع الذي لا يعترف بجراحه، يعيد إنتاجها بأشكال جديدة...

وهكذا، تبقى سورية أمام مفترق تاريخي حقيقي:
( إما أن تتحول الذاكرة إلى أداة بناء، أو تبقى وقوداً لدورات جديدة من الألم).