
بين تسريبات السلطة وامتحان الشرعية، هل تدخل سورية لحظة فكّ الارتباط مع الجهادية أم لحظة إعادة إنتاجها؟:
يشاع أن الرئيس أحمد الشرع ينوي القيام بتعديل وزاري يكون أقرب إلى التشاركية الفعلية، وترافق ذلك مع تسريبات تتحدث عن إبعاد شقيقيه عن مفاصل القرار الرسمي...
هذا بالضبط ما طالبنا به، وطالب به ملايين السوريين منذ ما أصفه بيوم السقوط والصعود لجهة كسر منطق العائلة، وكسر منطق الحلقة الضيقة، واستبدال حكم الغلبة بحكم المؤسسات، فمن الجميل – نظريًا – أن تصل أصوات الناس أخيرًا إلى آذان صاغية، أو على الأقل هكذا يبدو في ظاهر الأمر...
لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا ليس عن نوايا التعديل الوزاري، بل عن طبيعة هذه “التسريبات” ذاتها:
- هل نحن أمام معلومات حقيقية تعبّر عن مسار سياسي جديد؟..
- أم أننا أمام تسريبات أجهزة هدفها قياس ردّ الفعل الشعبي، كما تفعل الدول المتحضّرة حين تختبر قراراتها الحسّاسة قبل إقرارها؟..
هذا السؤال ليس تقنيًا ولا إعلاميًا فقط، بل سياسي وأخلاقي في آن، لأن الفرق بين ( تسريب لقياس الرأي العام ) و( تسريب لتعويم القرار )هو الفرق بين دولة تفكّر بمواطنيها، وسلطة تفكّر فقط بكيفية إدارة الصدمة...
وكي أكون واضحا فيما اقول سأبوب التالي من مقالي على شكل عناوين رئيسية :
* معضلة الشرعية، من يملك حق الإقصاء؟ :
هنا ندخل إلى العقدة الأصعب اقصد :
- هل يملك الشرع أصلًا الشرعية التي تمكّنه من إزاحة بعض ( صنّاع القرار ) القادمين من الخلفية الجهادية؟..
فهؤلاء لم يصلوا إلى مواقعهم عبر صندوق اقتراع ولا عبر شرعية دستورية، بل عبر فوهة البندقية، لكن، وبالمنطق نفسه، الشرع ذاته لا يمتلك شرعية دستورية ولا تفويضًا شعبيًا جامعًا، اذا الجميع هنا، من حيث المبدأ، يقفون على أرضية واحدة وهي ( أرضية الأمر الواقع )...
* وهنا تكمن المفارقة السورية الثقيلة:
نحن أمام سلطة تحاول أن ( تدير )إرثًا جهاديًا مسلحًا، بينما هي نفسها جزء من هذا الإرث في تكوينها السياسي والأمني...
- فبأي منطق يمكن لمن أتى من منطق الغلبة أن يقصي شركاءه في الغلبة باسم الدولة؟..
- وبأي سردية يمكن تسويق ذلك دون أن يبدو كصراع نفوذ داخل بيت واحد، لا كتحوّل بنيوي نحو دولة؟..
* ردّ فعل القوى الجهادية، الدولة أم العقيدة؟ :
- وهنا يبرز السؤال الأخطر ليس في قرار الإقصاء ذاته، بل في ردّ الفعل المتوقع للوحدات العسكرية ذات القوام الجهادي إن شعرت أن من ( يمثلها ) أو من كانت قد بايعته في صناعة القرار قد أُقصي...
- هل سيكون ولاؤها للوطن؟..
- أم للعقيدة التي أنتجت الفصيل الجهادي؟
- وأين يقف ( مقام الرئاسة ) في هذه المعادلة, هل هو مرجعية عليا للدولة، أم مجرد موقع تفاوضي بين مراكز قوى مسلّحة؟..
تجربة الحركات الجهادية في كل المنطقة – من أفغانستان إلى العراق إلى سوريا – تقول لنا إن “البيعة” للعقيدة والتنظيم غالبًا ما تتقدّم على فكرة الدولة الحديثة...
في سورية تحديدًا، عاشت الفصائل المسلحة لسنوات على منطق “الأحقية الثورية” و”الشرعية الجهادية”، لا على منطق المؤسسات...
وعندما تبدأ هذه الفصائل بالتحوّل إلى جزء من سلطة مركزية، فإن أول ما ينفجر عادةً هو التناقض بين:
- منطق الدولة الذي يفترض التسلسل والانضباط...
- ومنطق الفصيل الذي يقوم على الولاء العقائدي والقيادة الكاريزمية والسلاح المستقل...
* الذاكرة السورية لا تنسى، من الغباء العسكري إلى مكافأة السلطة:
وهنا أستعيد واقعة شخصية جمعتني بمحافظ سابق، كان قائد لواء في حرب تشرين وفشل فشلًا ذريعًا ودُمّر اللواء بسبب غبائه العسكري، ثم أُطلقت يده لاحقًا من قبل حافظ الأسد في ثلاث محافظات متتالية، أجد أن الجملة التي قالها لي تختصر ذهنية السلطة في سوريا لعقود:
( لي ما له في هذا البلد ) وكان يقصد حافظ الأسد...
هذه الجملة ليست مجرد وقاحة شخصية؛ إنها توصيف دقيق لنمط حكم يقوم على منطق ( الملكية السياسية ) لا (.المسؤولية العامة )
ومن هنا يأتي الخوف:
- هل نحن أمام نسخة جديدة من الذهنية نفسها، لكن بلباس جهادي أو ثوري؟..
- هل يُستبدل ( الضابط الفاشل الموالي ) بـ( القائد الجهادي الموالي ) دون تغيير جوهر العلاقة بين السلطة والبلد؟..
* لحظة السيطرة… ثم تصفية الحسابات :
في فجر يوم 8/12/2024، وخلال مشاركتي إحدى نشرات فرانس 24، قلت جملة ما زلت مقتنعًا بها:
( لقد عوّدتنا الجماعات الإسلامية، كلما استقرت لها السيطرة على مساحة جغرافية، أن تبدأ بتصفية حساباتها البينية على أسس أيديولوجية أو عقائدية أو نتيجة تضارب مصالح )...
هذا ليس حكمًا أخلاقيًا، بل خلاصة تجربة تاريخية، فمن أفغانستان بعد انسحاب السوفييت، إلى العراق بعد ٢٠٠٣ إلى سورية بعد تفكك الجغرافيا المركزية، يتكرّر النمط ذاته :
حين ينتهي العدو الخارجي أو يتراجع، يبدأ الصراع الداخلي على ( من يمثل الإسلام الصحيح )، ( من يملك الشرعية الجهادية الأعلى )، (!ومن يملك حق الإمساك بالموارد والسلاح والمعابر )...
ففي السياق السوري، هذه الدينامية مرشحة للتفاقم لا للتراجع، لأن الفصائل الجهادية لم تُهزم هزيمة فكرية، بل دخلت في طور إدارة سلطة..
والسلطة بطبيعتها تكشف التناقضات، وتفجّر الصراعات المؤجلة، وتحوّل الرفاق في السلاح إلى خصوم في النفوذ...
الخلاصة :
-اختبار الدولة أم إعادة إنتاج الفوضى؟
إذا كانت التسريبات صحيحة، فنحن أمام لحظة اختبار تاريخية:
- إما أن تكون بداية فكّ ارتباط تدريجي مع منطق الجهادية لصالح منطق الدولة...
- وإما أن تكون مجرد إعادة توزيع أدوار داخل البيت الجهادي نفسه، بواجهة أكثر ( سياسية ) وأقل ( عسكرية )...
أما إذا كانت التسريبات مجرد بالونات اختبار، فنحن أمام سلطة لا تزال تتعامل مع المجتمع بمنطق المختبر، لا بمنطق الشراكة...
في الحالتين، السؤال الحقيقي ليس:
- هل سيُبعد الشرع شقيقيه أو بعض القادة الجهاديين؟..
بل:
هل تملك هذه السلطة الجرأة على إعادة تعريف علاقتها بالسلاح، وبالعقيدة، وبالدولة؟..
أم أننا سنشهد – كما اعتدنا في تجارب الجماعات الإسلامية – لحظة استقرار قصيرة، يعقبها صراع داخلي جديد، أكثر قسوة، لأنه هذه المرة صراع على ( الدولة ) لا على ( الخندق )؟
هذا هو الامتحان الحقيقي، وما دونه، يبقى مجرد تسريبات.