
بين واقع الثورةِ الوطنية وخطر التطرّف، قراءة في دور «الجيش السوري الحر» و«جبهة النصرة» في مسار الحرب السورية:
عندما نتحدّث عن الجيش السوري الحر، فإننا نتحدث أولاً عن فكرةٍ امتلكت في بداياتها قوةً معنوية كبيرة: جيشٌ وطني قادته ضباط منشقون، أبرزهم العقيد رياض موسى الأسعد الذي أعلن تأسيسه في 29 تموز 2011 رافضاً الاستمرار في خدمة نظام قمعي، ونادى بأن هدف هذا الجيش هو الدفاع عن الوطن والمواطنين من جميع الطوائف.
في تلك اللحظة بدا أن ثورة الشعب السوري ضدّ النظام قد اتجهت نحو أفقٍ وطني موحّد. لكن مع الوقت تداخلت العوامل الميدانية والأيديولوجية والمصالح الخارجية، ولم يعد المشهد مقصوراً على نضالٍ سلمي أو مقاومة وطنية موحدة، بل تحوّل إلى ساحة تنافسٍ دموي بين قوى مختلفة داخل المعارضة المسلحة نفسها.
في هذا الوقت ظهرت جبهة النصرة لأهل الشام أواخر عام 2011 كفرع لتنظيم «القاعدة»، تحت قيادة أبو محمد الجولاني، وكانت تهدف في البداية لخوض «الجهاد» ضدّ نظام الأسد وفقاً لرؤيتها الأصولية الخاصة. الأهم من ذلك أن الجبهة رفضت في كثير من المراحل أن تخضع لقيادة الجيش السوري الحر أو أن تعمل تحت رايته، مفضّلة أن تبني هيكلها العسكري والإداري الخاص بها.
هذا الخلاف الأيديولوجي ترجم نفسه عملياً إلى توترات ومعارك بين الفصائل في الساحة السورية، وما بدا واضحاً عند المتابعين أن النصرة، في بعض المناطق، كانت تنافس الجيش الحر على النفوذ، السلاح، والتمويل، وأحياناً تتجه إلى شق الصفوف وضم مقاتلين منه إلى صفوفها، أو حتى مواجهته مباشرة.
أحد أبرز الأمثلة على تلك التوترات هو استهداف قيادات من الجيش الحر في المعارك مع النصرة، بما في ذلك محاولة اغتيال أو إصابة العقيد رياض الأسعد التي أدّت إلى بتر ساقه في آذار/مارس 2013، في سياق معارك بين الفصائل. هذا الحدث لم يكن معزولاً، بل جاء ضمن سلسلة صراعات داخلية بين مجموعات المعارضة المسلحة تنافست على السيطرة وتحديد أولويات القتال.
مراقبون سياسيون وقتها رأوا أن هذه الانقسامات أضعفت صورة الجيش الحر أمام الداخل والخارج، وأن تصاعد حضور النصرة وتنظيمات مشابهة قوض الدعم الدولي للمعارضة الوطنية، لأن المانحين أصبحوا يترددون في إرسال دعم للمجموعات التي تتآكل أمام نفسها أو تندمج أعضاؤها مع جماعات إسلامية جهادية.
عموماً:
إذا كان البعض اليوم يرفع لواء الحنين إلى «الجيش الحر» في أيامه الأولى، فمن المهم أن نستحضر كلّ الأبعاد الواقعية والسياسية للصراع:
- الجيش الحر واجه قلة في الموارد والتنسيق منذ البداية، وكان يعاني من ضعف دعم خارجي موحّد.
- جبهة النصرة، بصفتها تنظيماً جهاديّاً، لم تكن حليفةً موثوقة للخط الوطني للجيش الحر، وقد دخلت في مواجهات وتناحرات أحياناً ضدّه.
- انعكاسات هذه النزاعات كانت أكبر من مجرد خسارة ميدانية؛ لقد أثّرت على صورة الثورة وسياستها داخل المجتمعات السورية وفي السياسة الدولية تجاهها.
باختصار:
الثورة السورية وحركة المعارضة المسلحة كانت مثقلةً بصراعاتٍ داخلية تفوقها في خطورتها كثير من التحديات التي واجهها النظام ذاته. ومن يقرأ التاريخ بصدق وموضوعية يعرف أن أزمة المعارضة السورية لم تكن فقط نتيجة نظام ديكتاتوري قمعي، بل أيضاً نتيجة انقسامات داخلية، وتنافس بين رؤى وطنية وإيديولوجيات جهادية على الساحة نفسها.
إنّ استحضار شخصية العقيد رياض الأسعد ومكانته القيادية في بدايات الثورة لا ينبغي أن يخلو من قراءةٍ دقيقة لتاريخ الفعل الثوري وما أعاقه. وكذلك لا يمكن أن يُغفل دور التنظيمات المتشددة، التي لم تكن تساهم في بناء مشروع وطني موحد، بل ساهمت في تشرذم القوة التي حاولت أن تكون جيشاً وطنياً. هذا هو ما يفرضه علينا التوفيق بين المشاعر والتاريخ، بين الندم والتحليل، بين الحنين والواقعية.