
بين وحدة الدولة وخطر الاصطفاف… قراءة في خطاب يختبر تماسك سورية:
في لحظات التوتر، لا تُقاس قوة الدول فقط بقدرتها على مواجهة التحديات، بل بقدرتها على احتواء الخطابات التي قد تبدو في ظاهرها تعبيراً عن مظلومية، لكنها تحمل في عمقها بذور تفكك أعمق، والبيان المنسوب إلى حكمت الهجري، بما يحمله من مضامين، يندرج في هذا الإطار الحساس الذي يستوجب قراءة هادئة، لكن حازمة في آنٍ معاً:
يُظهر النص نزوعاً واضحاً نحو ربط المصير المحلي بمحاور وقوى خارجية، عبر إشارات صريحة إلى دعم أطراف دولية محددة، وهذه النقطة، رغم ما قد يُقدَّم لها من تبرير عاطفي أو ظرفي، تمثل في جوهرها انزلاقاً خطيراً من منطق العمل الوطني إلى منطق الارتهان، فالدول لا تُبنى على الرهانات الخارجية، بل على توازنات داخلية قائمة على شراكة وطنية جامعة. وأي ربط للمستقبل بفاعلين خارجيين لا يفتح باب الحماية، بل باب التبعية والتوظيف...
وفي سياق متصل، يطرح الخطاب فكرة "تقرير المصير" بمعزل عن الإطار العام للدولة، وهو ما يُفهم منه - سياسياً على الأقل - محاولة لتأسيس واقع موازٍ أو كيان شبه مستقل، وهذه الفكرة، مهما تزيّنت بمفردات القانون الدولي، تبقى في السياق السوري تحديداً مرفوضة عملياً، لأنها تتعارض مع مبدأ أساسي لا يقبل التأويل هو:
(وحدة الدولة وسيادتها)...
إن أي محاولة لخلق كيانات داخل الدولة، أو فرض وقائع سياسية منفصلة، لا تقود إلى استقرار، بل إلى مزيد من التشظي والانقسام...
ولا يقل إشكالاً عن ذلك، اعتماد الخطاب على سردية أحادية الجانب تقوم على تضخيم مظلومية جماعية دون تقديم رؤية شاملة أو متوازنة، فالحديث عن الانتهاكات والمعاناة، إن لم يُوضع ضمن إطار وطني جامع يسعى إلى الحل، يتحول من أداة توصيف إلى أداة تعبئة، وهنا يكمن الخطر، حين يصبح الألم وقوداً لتكريس الانقسام بدلاً من تجاوزه...
أما اللغة المستخدمة في البيان، فهي تحمل طابعاً تصعيدياً واضحاً، إذ تمزج بين توصيفات قاسية ومصطلحات ذات حمولة عاطفية عالية، دون سند توثيقي واضح أو إطار قانوني منضبط. وهذا النمط من الخطاب قد يكون فعالاً في إثارة المشاعر، لكنه سياسياً يفتقر إلى المسؤولية، لأنه يغلق أبواب الحوار ويستبدلها بمنطق المواجهة...
باختصار:
إن أخطر ما في مثل هذه الخطابات ليس ما تقوله فقط، بل ما تلمّح إليه من فكرة أن الخلاص يمكن أن يأتي من خارج الدولة، أو عبر كسر بنيتها، والتاريخ، في سورية وفي غيرها، يثبت أن مثل هذه المسارات لا تنتج إلا مزيداً من الاضطراب، وأن أي مكسب مؤقت مبني على دعم خارجي سرعان ما يتحول إلى عبء يهدد الجميع...
في المقابل، فإن الطريق الوحيد القابل للاستمرار هو ذلك الذي يمر عبر الدولة، لا حولها، دولة تستوعب جميع مكوناتها، وتضمن حقوقهم، وتعيد تعريف العلاقة بينهم على أساس المواطنة، لا على أساس الاصطفاف أو التبعية. فالوحدة الوطنية ليست شعاراً سياسياً، بل شرط وجود لأي كيان يريد أن يحافظ على استقراره ومستقبله...
من هنا:
فإن الرد الحقيقي على مثل هذه الخطابات لا يكون بالصوت العالي، بل بإعادة تثبيت الثوابت، لا لخلق كيانات موازية، لا للارتهان للخارج، نعم لوحدة الدولة، ونعم لبناء عقد وطني جديد يقوم على العدالة والشراكة. فالمجتمعات التي تتجاوز أزماتها هي تلك التي تعالج جراحها من داخلها، لا التي تستدعي أدوات من خارجها لتمزيق ما تبقى من نسيجها...
فسورية اليوم أمام اختبار حقيقي:
إما أن تتقدم نحو مزيد من التماسك، أو تنزلق إلى مزيد من التشظي، والفرق بين الخيارين يبدأ من كلمة، ومن خطاب، ومن مسؤولية الكلمة حين تُقال في لحظة مفصلية.