
دعوا القانون يأخذ مجراه: مقارنة بين أخلاق الملكية البريطانية والأنظمة الشمولية
الملك تشارلز الثالث حين قال: «دعوا القانون يأخذ مجراه» بعد اعتقال أخيه الأمير أندرو للتحقيق في فضائح جيفري أبستين، لم يكن مجرد بيان بروتوكولي. إنه انعكاس لثقافة حكمية تقوم على فصل السلطات، احترام القانون، وحتى إذا تعلق الأمر بأقرب أفراد العائلة، فإن القانون فوق الجميع. هذه الكلمات أثارت في النفس تساؤلاً عميقًا: أين نحن كأمة، وخصوصًا كأمة إسلامية، من هذا المفهوم الراقي للأخلاق والعدالة؟
لنأخذ مثالاً من التاريخ الإسلامي، في أيام الخلافة الراشدة، وخصوصًا في زمن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي كان نموذجًا للعدل والمساواة. فقد قال عمر نفسه: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»، تأكيدًا على أن العدالة لا تُفرق بين غني وفقير، أو حاكم ومحكوم. كان القانون والمحاسبة شريانًا أساسياً للعدل، لا تُعرّف به الاستثناءات بحسب المكانة أو القرابة.
أما اليوم، ونظرًا لتجارب العالم المعاصر، نجد فجوة كبيرة بين هذه الأمثلة وبين ما يحدث في كثير من الأنظمة الشمولية. ففي بلدان عدة، يُمارس الحكم بطريقة تجعل الحاكم فوق القانون، وتحكم الأسرة أو الحزب الدولة بأكملها دون مساءلة. الجرائم، الفساد، أو حتى انتهاكات حقوق الإنسان، تُغلق عليها أعين الأجهزة الرسمية، وغالبًا ما يُتهم الضحايا أنفسهم. العائلة الحاكمة أو النخبة الحاكمة لا تُحاسب، والقانون يُستعمل أداةً لترسيخ السلطة لا للعدل.
من هنا يمكن استخلاص درسين مهمين: أولاً، أن العدالة لا تُبنى على القوة أو القرابة، بل على قواعد واضحة تحمي المجتمع بأكمله. ثانيًا، أن الأخلاق والقيم ليست مجرد شعارات تاريخية أو دينية، بل يمكن تطبيقها عمليا إذا كانت المؤسسات حرة ومستقلة. ثالثًا، مقارنة بسيطة بين موقف الملك البريطاني وواقع الأنظمة الشمولية تُظهر مدى الفارق بين ثقافة المساءلة والشفافية وبين ثقافة الإفلات من العقاب.
في النهاية، ما قاله الملك تشارلز يذكرنا بأن القانون فوق الجميع، وأن حتى السلطة العليا لا تُعفى من المساءلة. وفي هذا المعنى، يمكن أن نرى في الخلافة الإسلامية نموذجًا عمليًا للعدالة والمحاسبة، والذي يمكن أن يكون مصدر إلهام للأمة اليوم إذا ما استُعيدت قيم القانون والعدل في حياتنا السياسية والاجتماعية.