
دبلوماسية الإشادة وسط التصعيد… قراءة في توظيف الخطاب السياسي المتناقض:
في خضم خطاب سياسي يتسم بالتصعيد تجاه إيران، وبنبرة عالية حول التفوق العسكري الأميركي وإعادة تشكيل ميزان القوة في المنطقة، تبرز في المقابل إشارات مختلفة تمامًا، تتمثل في الإشادة العلنية ببعض القادة الإقليميين، وفي مقدمتهم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.
هذا التداخل بين لغة التصعيد ولغة الإشادة ليس تفصيلاً هامشيًا، بل يعكس بنية خطاب سياسي مركّبة تقوم على إدارة عدة رسائل في الوقت نفسه. فمن جهة، يُقدَّم المشهد الإقليمي باعتباره ساحة مواجهة حادة مع إيران، تتضمن ضربات عسكرية، وضغطًا على الممرات البحرية الاستراتيجية، ومحاولات لإظهار تفوق استخباري وعسكري حاسم. ومن جهة أخرى، يتم تثبيت شراكات إقليمية عبر لغة تقديرية موجهة، تُستخدم لتأكيد اصطفافات سياسية داخل هذا المشهد المتوتر.
الإشادة بولي العهد السعودي تأتي في هذا السياق بوصفها رسالة مزدوجة: فهي من جهة تعكس تثمينًا لدور شريك إقليمي رئيسي في ملفات الطاقة والأمن الإقليمي، ومن جهة أخرى تُستخدم لتثبيت محور سياسي ضمن سردية أوسع تقوم على مواجهة التحديات المشتركة في المنطقة، وفي مقدمتها الملف الإيراني.
لكن المفارقة الأساسية تكمن في التزامن بين خطابين متناقضين ظاهريًا: خطاب يُصعّد إلى حد الحديث عن انهيار قدرات دولة كبرى مثل إيران، وربط ذلك بإجراءات عسكرية واقتصادية قصوى، وخطاب آخر يركز على بناء جسور سياسية مع حلفاء إقليميين عبر الإشادة والتقدير. هذا التزامن لا يعكس بالضرورة تناقضًا بقدر ما يكشف عن طبيعة السياسة الخارجية الأميركية في هذا السياق، بوصفها سياسة متعددة المسارات، تُخاطب أكثر من جمهور في الوقت نفسه.
فعلى المستوى الداخلي، يُستخدم خطاب القوة والإشادة بالإنجازات العسكرية لتعزيز صورة القيادة الحازمة القادرة على فرض النتائج. وعلى المستوى الإقليمي، تُستخدم لغة الشراكة والإشادة لطمأنة الحلفاء وتثبيت اصطفافات سياسية في مواجهة خصوم مشتركين. أما على المستوى الدولي، فيُراد من هذا الخليط إنتاج صورة دولة قادرة على إدارة التوازن بين الردع والتحالف في آن واحد.
غير أن هذا النمط من الخطاب، رغم فعاليته الإعلامية، يفتح بابًا دائمًا للتساؤل حول درجة الاتساق بين الرسائل المختلفة. فكلما ارتفع منسوب التصعيد في اتجاه، وازدادت المبالغة في توصيف النتائج، أصبحت الحاجة أكبر إلى خطاب موازٍ يهدئ المخاوف ويعيد بناء الثقة مع الشركاء. وهنا تحديدًا يظهر دور الإشادة السياسية بوصفها أداة توازن داخل خطاب شديد التوتر.
في النهاية، يمكن القول إن الإشادة بالقادة الإقليميين في هذا السياق ليست منفصلة عن مسار التصعيد، بل جزء منه، لكنها تعمل في الاتجاه المعاكس له وظيفيًا. فهي لا تلغي حدة الخطاب تجاه الخصوم، لكنها تُستخدم لتثبيت شبكة الدعم الإقليمي التي تجعل هذا الخطاب قابلًا للاستمرار سياسيًا ودبلوماسيًا.
وبين هذين المستويين—التصعيد تجاه الخصوم، والإشادة بالحلفاء—يتشكل نمط معقد من إدارة النفوذ، يعتمد على الجمع بين الضغط والاحتواء، بين رفع السقف السياسي وبناء التحالفات في الوقت نفسه، وهو ما يعكس طبيعة المرحلة الراهنة في السياسة الدولية أكثر مما يعكس حالة استثنائية في خطاب فردي.