--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

دبلوماسية الواجهة… حين تتحرّك الحروب بصمت

Salah Kirata • ٢٧‏/٢‏/٢٠٢٦

4831.jpg

دبلوماسية الواجهة… حين تتحرّك الحروب بصمت

في السياسة الدولية، لا يُقاس صدق النوايا بما يُقال على المنابر، بل بما يجري في الظل. الكلمات تُصاغ لتهدئة الأسواق والرأي العام، أما القرارات الحقيقية فتُكتب على خرائط الطيران، ومسارات الأساطيل، وغرف التخطيط العسكري. من جنيف خرجت إشارات “إيجابية” توحي بأن باب التفاهم ما زال مفتوحاً، لكن المشهد الأكبر يقول إن هذا الباب يُستخدم اليوم كستارة، لا كمدخل حقيقي لحلّ الأزمة.

المفاوضات الأخيرة بدت وكأنها تمنح الجميع فرصة لالتقاط الأنفاس. ابتسامات، ووعود باستكمال النقاش، وتسويق لفكرة أن الأزمة قابلة للإدارة عبر مسار تقني طويل. غير أن هذا الإيقاع البطيء لا ينسجم مع تسارع التحركات على الأرض. حين تتحرك القوى الكبرى لإعادة توزيع أصولها العسكرية، وتُغيّر تموضع قواعدها، وتعيد رسم شبكات الإمداد، فإنها لا تتصرّف بعقلية من ينتظر اختراقاً دبلوماسياً قريباً، بل بمنطق من يستعد لاحتمال الانفجار.

السماء، في هذا السياق، صارت مرآة أكثر صدقاً من بيانات المؤتمرات. شركات الطيران لا تتخذ قرارات طويلة الأمد بتعليق خطوط حساسة إلا حين تتلقّى إشارات مقلقة عن مخاطر ممتدة لا عن توترات عابرة. إغلاق مسارات جوية أو تقليص الحركة نحو مناطق بعينها يعني أن التقدير السائد يتوقع اضطراباً طويل النفس، وأن سيناريو الاستقرار السريع خارج الحسابات الواقعية. هذه القرارات، رغم طابعها المدني، تعبّر عن قراءة أمنية باردة: المجال الجوي نفسه لم يعد يُنظر إليه كفضاء آمن.

في الوقت ذاته، تتحرّك القوة الأمريكية وفق حسابات وقائية دقيقة. إعادة توزيع الموارد الثقيلة بعيداً عن نقاط مكشوفة، ونقل الثقل اللوجستي إلى مواقع أقرب إلى مسارح العمليات المحتملة، وتوسيع القواعد البعيدة القادرة على دعم ضربات طويلة المدى—كلها مؤشرات على أن خيار المواجهة ليس افتراضاً نظرياً في غرف التفكير، بل سيناريو تُحضَّر له البنية التحتية بهدوء. هذا النوع من التحضير لا يُبنى على التفاؤل، بل على افتراض أن الدبلوماسية قد تفشل في أي لحظة.

في قلب هذا المشهد يقف التوتر الإسرائيلي–الإيراني عند مفترق حساس. إسرائيل ترى أن أي تأخير يمنح خصمها فرصة لتعزيز دفاعاته وترميم منظومات الحماية، ما يرفع كلفة أي تحرك لاحق ويُقلّص فرص النجاح. في المقابل، تعتبر إيران أن التنازل في ملفات جوهرية يمسّ ركائز النظام نفسه، ويعيد تعريف موقعه الإقليمي بطريقة لا يمكن القبول بها. هكذا تتحوّل المفاوضات من مسار حلّ إلى إدارة وقت: كل طرف يستخدمها ليُحسّن موقعه قبل لحظة الحسم، لا ليصل إلى تسوية نهائية.

الخطر هنا ليس فقط في قرار حرب مباشر، بل في منطق “الاستباق”. حين يعتقد كل طرف أن خصمه قد يسبق بخطوة تُخلّ بالتوازن، يصبح الإغراء بالتحرك أولاً أعلى من كلفة الانتظار. في هذه البيئة المتوترة، يكفي حادث محدود أو تقدير خاطئ ليُشعل سلسلة ردود أفعال تتجاوز السيطرة السياسية، وتجرّ المنطقة إلى مسار تصعيدي لا يريده أحد علناً، لكن الجميع يستعد له عملياً.

تجربة المنطقة مع هذا النوع من اللحظات ليست جديدة. كثيراً ما سبقت الحروب فترات من “الهدوء الدبلوماسي” الذي لم يكن سوى واجهة لتسريع التحشيد في الخلفية. الفارق اليوم أن كثافة الإشارات المتقاطعة—من تحركات عسكرية، إلى تغييرات في حركة الطيران المدني، إلى رسائل متناقضة في الخطاب السياسي—تجعل احتمال الانزلاق أعلى، لأن كل طرف بات يقرأ نوايا الآخر من الأفعال لا من الأقوال.

الخلاصة أن ما يجري لا يشبه مساراً تفاوضياً تقليدياً بقدر ما يشبه هدنة مؤقتة تُستخدم لترتيب الأوراق قبل جولة أخطر. التفاؤل المعلن يخدم وظيفة سياسية وإعلامية، لكنه لا يعكس المزاج الحقيقي في غرف القرار. المنطقة اليوم تعيش لحظة اختبار قاسية: إما أن تُترجم الدبلوماسية إلى تنازلات حقيقية تُخفف من منطق الاستباق، أو أن تبقى واجهة ناعمة تُخفي تحتها استعداداً صلباً لسيناريو المواجهة. وفي مثل هذه اللحظات، يكون أخطر ما يمكن فعله هو تصديق الواجهة ونسيان ما يدور خلفها.