
دمشق بين اقتصاد النفوذ وإعادة تشكيل المكان: حين تتحول المدينة إلى أصل مالي بدل أن تبقى وطناً...
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
لم تعد المدن في زمن ما بعد الحروب تُقرأ بوصفها فضاءً اجتماعياً أو رمزاً تاريخياً فحسب، بل باتت تُعامل في كثير من المشاريع الإقليمية والدولية ككتل اقتصادية قابلة لإعادة التدوير... وفي هذا السياق، تظهر سوريا اليوم أمام مشهد أكثر تعقيداً من مجرد إعادة إعمار تقليدية، إذ تتقاطع فيه مصالح المال مع خرائط السياسة، وتختلط فيه لغة التنمية مع حسابات السيطرة طويلة الأمد...
ما يجري حول سورية لا يمكن اختزاله في رغبة إنسانية بإعادة البناء، فهذه الفرضية تبدو في كثير من الأحيان غطاءً خطابياً ناعماً لعملية أعمق اقصد أن مايتم لايعدو أن يكون:
- إعادة تعريف قيمة الأرض نفسها، وتحديد من يملكها، ومن يملك حق استخدامها، ومن يملك القرار غير المباشر في توجيه عمرانها واقتصادها...
في لحظات ما بعد النزاعات، لا تتوقف التحولات عند حدود وقف الحرب، بل تبدأ مرحلة أكثر حساسية تتعلق بإعادة توزيع الثروات المكانية لأراض هنا لا تعود مجرد وطن، بل تتحول إلى ملف استثماري مفتوح وأقصد أيضا أن الغاية ربحية وليس فيها أي جانب انساني وان استفاد البشر فهو بطريق الصدفة لأن مايحدث بالفعل سيؤدي إلى:
- أحياء تُعاد تسعيرها...
- مناطق تُصنّف وفق جدواها الاقتصادية، ومراكز مدن تُعاد هندستها لتناسب نماذج استثمارية عالمية لا تعكس بالضرورة حاجات السكان الأصليين...
علماً:
أن المشكلة ليست في الاستثمار بحد ذاته، بل في تحوله من أداة دعم للاقتصاد الوطني إلى آلية لإعادة تشكيل المجتمع نفسه، فحين يصبح السكن سلعة خاضعة بالكامل لمنطق المضاربة، يتغير شكل المدينة تدريجياً: المركز يصبح نخبوياً، الأطراف تتسع للفئات الأضعف، وتتآكل الطبقة الوسطى التي كانت تشكل العمود الفقري لأي استقرار اجتماعي...
إلا أن الأخطر من ذلك هو أن الخطاب المرافق لهذه التحولات غالباً ما يُقدَّم بلغة براقة:
- تحديث...
- تطور عمراني...
- مدن ذكية...
- بنى تحتية حديثة...
لكن خلف هذه المفردات يكمن سؤال جوهري لا يُطرح بما يكفي هو:
- من المستفيد الحقيقي من إعادة تشكيل الفضاء العمراني؟..
- وهل تعود هذه المشاريع بالنفع على السكان، أم أنها تعيد توزيع الملكية لصالح قوى مالية أكثر تنظيماً وامتداداً عبر الحدود؟..
عموماً:
في التجارب المشابهة حول العالم، لم تكن إعادة الإعمار مجرد عملية هندسية، بل كانت إعادة صياغة لعلاقات القوة داخل المجتمع، بمعنى من يسيطر على العقار في قلب المدن يملك قدرة غير مباشرة على التأثير في القرار الاقتصادي، ومن يملك القرار الاقتصادي يفرض شروطه على المجال السياسي والاجتماعي لاحقاً، حتى دون حضور مباشر في مؤسسات الحكم...
لذا:
فإن سورية اليوم تقف أمام هذا النوع من التحولات الدقيقة والخطيرة في آن واحد. فضعف البنية الاقتصادية الداخلية، وتآكل القدرة الإنتاجية، وارتفاع الحاجة إلى التمويل الخارجي، كلها عوامل تفتح الباب أمام دخول رؤوس أموال لا تتحرك بدافع التنمية فقط، بل وفق منطق النفوذ طويل الأمد...
وهنا تبرز مسؤولية مزدوجة:
- مسؤولية الدولة الانتقالية من جهة...
- ومسؤولية المجتمع من جهة أخرى... لأن غياب الأطر التنظيمية الصارمة قد يحول مشاريع الإعمار إلى بوابات غير مباشرة لإعادة توزيع الملكية بشكل غير متوازن، بينما الاندفاع نحو حلول سريعة قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على مفاصل المدينة الاقتصادية...
وعليه:
فإن المطلوب ليس رفض الاستثمار، بل إعادة ضبط معاييره بحيث يبقى في خدمة الاقتصاد الوطني لا فوقه. كما أن إعادة الإعمار الحقيقية لا تُقاس بعدد الأبراج أو حجم المشاريع العقارية، بل بقدرة البلد على استعادة توازنه الإنتاجي: الصناعة، الزراعة، التشغيل، والتعليم، وهي العناصر التي تمنح المدينة روحها قبل شكلها...
لأن أخطر ما يمكن أن تواجهه سورية في المرحلة المقبلة ليس فقط إعادة البناء المادي، بل إعادة تعريف معنى “الملكية” داخلها، فحين تتحول الأرض من ذاكرة جمعية إلى أصل مالي خالص، يصبح المجتمع نفسه مهدداً بالتحول من أصحاب أرض إلى مستخدمين مؤقتين لها...
وبين هذا التحول الدقيق والخطير، تتحدد ملامح المستقبل:
- إما إعادة إعمار تُعيد للإنسان موقعه في قلب المدينة...
- أو إعادة تشكيل عمراني يضع الإنسان على هامش السوق...