
دمشق تُباع من الداخل...
قراءة في موجة تصفية العقارات الفاخرة بين الثراء المنسحب والغموض الاقتصادي:
عندما يتصفح المرء صفحات التواصل الاجتماعي هذه الأيام، لا يمكنه تجاهل مشهدٍ بات يتكرر بإلحاح لافت:
عروض بيع لعقارات فخمة في قلب دمشق، تحديداً في أحياء مثل المالكي وأبو رمانة وتنظيم كفرسوسة، وصولاً إلى قرى ريف دمشق الراقية كيعفور ومحيطها، مع فلل فخمة في كل ما صار يسمى قرى الشام، مع بلدة دروسا التي كان يسمى بعض احيائها منذ ٤٠ عام بالقصور...
نعم نحن أمام بيوع لعقارات ليست عادية، بل مساحات واسعة تبدأ من 250 متراً وتصل إلى 500 و600 متر للبناء الواحد، إضافة إلى حدائق ومسابح وملاحق تعكس نمط حياة كان في يومٍ ما عنواناً لطبقة اقتصادية عليا تشكل جزءاً من "بورجوازية العاصمة" أو ما يُعرف في التداول الشعبي بـ"مليارديرات الشام"...
ما يلفت الانتباه ليس البيع بحد ذاته، فالعقارات تُباع وتُشترى في كل زمان ومكان، بل الكثافة، والتزامن، وطبيعة البائعين أو على الأقل الخلفيات التي تُستشف من نمط هذه الأملاك: شركات كانت تعمل، مشاريع تبدو واسعة، واستثمارات توحي بأنها كانت جزءاً من دورة اقتصادية أكبر، قبل أن تصل إلى لحظة تصفية أو انسحاب شبه جماعي خلال فترة قصيرة نسبياً لا تتجاوز العام والنصف تقريباً...
هنا لا يعود السؤال اقتصادياً بسيطاً، بل يتحول إلى سؤال "سياسي–اقتصادي" أعمق هو:
- ما الذي يدفع هذا النوع من الثروة إلى الانسحاب من المشهد بهذه السرعة، وفي هذا التوقيت تحديداً؟..
أعتقد أنه يمكن قراءة هذه الظاهرة من عدة زوايا متداخلة، لا تلغي بعضها بل تتقاطع في رسم صورة أكثر تعقيداً:
الزاوية الأولى:
هي زاوية إعادة تشكيل الاقتصاد، فحين تمر البلاد بتحولات سياسية أو أمنية أو إدارية، فإن أول من يعيد حساباته هم أصحاب الرساميل الكبيرة، هؤلاء لا يتحركون بدافع العاطفة، بل بمنطق " الأمان قبل الربح"، وعندما تتغير قواعد اللعبة، أو تُعاد صياغة بيئة الاستثمار، أو يصبح المستقبل غير قابل للتنبؤ، تبدأ مرحلة الخروج الهادئ الذي يتجلى بـ " بيع الأصول الثابتة، تحويل الأموال، وتقليل الانكشاف داخل البلد"...
الزاوية الثانية:
تتعلق بالضغط الاقتصادي المباشر. فحتى الطبقات الثرية ليست محصنة ضد تآكل السيولة، أو تغير شروط التمويل، أو صعوبة تحويل الأرباح، أو تقلص الأسواق. في هذه الحالة تتحول العقارات من “مخزن ثروة” إلى “عبء سيولة”، فيبدأ البيع حتى لو كان بخسارة نسبية أو تحت ضغط الوقت...
أما الزاوية الثالثة:
وهي الأكثر حساسية، فتتعلق بإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي، في بعض المراحل الانتقالية، لا يكون الانسحاب اقتصادياً بحتاً، بل جزءاً من إعادة اصطفاف أوسع:
"شركات تُصفّى، أخرى تُدمج، وأسماء كانت في الواجهة تختفي لصالح شبكات اقتصادية جديدة، سواء كانت محلية أو مرتبطة بتوازنات إقليمية أوسع"...
لكن، ورغم كل هذه القراءات، يبقى السؤال الأكثر أهمية بلا إجابة حاسمة: - هل ما يحدث هو انسحاب طبيعي لرأس المال في لحظة عدم يقين؟..
- أم أنه إعادة هندسة صامتة لطبقة اقتصادية كاملة كانت تمسك بجزء مهم من مفاصل الاقتصاد الدمشقي؟..
المؤكد حتى الآن أن حجم البيع، ونوعية العقارات، وسرعة التحول، كلها مؤشرات لا يمكن تجاهلها، لكنها أيضاً لا تكفي وحدها لبناء حكم نهائي، فاقتصاد المدن الكبرى لا يتحرك بخط مستقيم، بل بتقلبات حادة، تظهر أحياناً كأنها انهيارات، ثم يتبين لاحقاً أنها إعادة تموضع...
لكن ما يثير القلق فعلاً ليس البيع نفسه، بل السؤال عن الوجهة التالية اقصد:
- أين تذهب هذه الرساميل؟..
- هل تغادر البلاد بالكامل؟..
- أم تنتقل إلى قطاعات أخرى أقل ظهوراً وأكثر سيولة؟..
- أم أننا أمام انتقال تدريجي لثقل اقتصادي من شكل إلى آخر، ومن يد إلى يد؟..
في كل الأحوال:
تبقى دمشق، بعقاراتها الفاخرة التي تُعرض اليوم بكثافة لافتة، ليست مجرد سوق عقاري، بل مرآة حساسة لطبقات الاقتصاد العميق في البلاد. وما يظهر على واجهات الإعلانات ليس إلا سطحاً لقصص أكبر بكثير: قصص ثروة تتحرك، ونفوذ يتبدل، ومرحلة كاملة ما تزال تعيد تعريف نفسها بهدوء، لكنه هدوء لا يخلو من الدلالة.