
دوامة الضياع
هذا البلد اليوم ليس كما عرفناه، وليس كما حلمنا به. كل شيء فيه مختلط، متشظٍ، كما لو أن الأرض نفسها فقدت توازنها. تذكّروا قصة غوار الطوشة: أحب فطوم بصدق، لكن قلبها كان مع حسني البورظان، وفي النهاية وجدت نفسها مع ياسينو، تاركة خلفها جروحًا لا تلتئم، قلوبًا محطمة، وأحلامًا ضائعة. هذا الارتباك الشخصي يشبه تمامًا ما نعيشه: قرارات تتوالى بلا منطق، طرق تتشابك، كل خطوة تحمل معها كسرًا جديدًا، وكل روح تجد نفسها محتجزة في دوامة لا نهاية لها.
البلد يئن تحت وطأة الخراب. الشوارع مليئة بالأنقاض، البيوت محطمة أو مهجورة، الشجر الذي كان يحمينا من الشمس والريح اقتلع، والحجر الذي حمل تاريخنا تشقق وانكسر. أطفالنا، الذين كنا نأمل أن يكونوا مستقبلنا، يجدون أنفسهم ضائعين، يحملون عبء ما لم يختاروه، ما لم يفهموه، وما لم يستطع أحد حمايتهم منه. كل زاوية، كل شارع، كل منزل، كأنه يصرخ من الألم، وكل نفس نأخذه ثقيل بالخذلان واليأس.
الغضب يختلط بالحزن، واليأس يتغلغل في الجسد والروح، والوجوه تتشوه تحت وطأة الصدمة. كل يوم يمر يزيد إحساسنا بالضياع، وكأن كل شيء جميل في هذا البلد ينهار أمام أعيننا. الهواء محمّل برائحة الدمار، الأرض تئن تحت وطأة ما حلّ بها، والسماء تشهد صمتًا ثقيلًا على ما فقدناه.
وفي قلب هذه العاصفة، يبقى الأمل صامدًا، صامدًا رغم كل الخراب، رغم كل الخذلان. يبقى في الدعاء لله المنتقم الجبار، الذي وحده يعرف كيف يعيد الأمور إلى نصابها، وكيف يعيد الخير والأمن والأمان، ويمنح القوة لهذا الشعب الصابر ليواجه ما أصابه، وليرى يومًا يُسترد فيه الحق، وتعود الأرض كما كانت، صافية، قوية، حية.
هذا البلد يحتاج أن يعيش، يحتاج أن يستعيد وعيه وصوته، يحتاج أن يرى النور بعد طول ظلام، ويشعر بأن العدالة قادرة على العودة، وأن كل ما تهدم لن يبقى إلى الأبد. والدوامة التي ابتلعتنا اليوم، لن تبتلع الأمل الذي يصرخ في أعماقنا.