--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

فجرُ الرماد: حماة حين انكسر الصمت (شباط/فبراير 1982) فجرُ الثاني من

Salah Kirata • ٢٢‏/٢‏/٢٠٢٦

FB_IMG_1771772271145.jpg

 فجرُ الرماد: حماة حين انكسر الصمت (شباط 1982)

فجرُ الثاني من/فبراير 1982 لم يأتِ إلى على هيئة ضوء. جاء ككتلة رمادية كثيفة، تُثقل الهواء وتُبطئ الأنفاس. كانت المدينة، الممدودة على ضفّتي العاصي، تستيقظ عادةً على خرير الماء ونداء الخبّازين الأوائل، لكن ذلك الصباح استيقظت على شيء آخر: صمتٌ غير طبيعي، صمتٌ يشبه حبسَ النفس قبل الغرق.

في تمام الساعة الخامسة تقريبًا، ومع أول انكسارٍ خافتٍ للظلام، انفتحت السماء على صوتٍ لم تعرفه المدينة من قبل بهذا القرب: هدير المدفعية. لم يكن الصوت واحدًا؛ كان طبقاتٍ من الرعد المعدني تتلاحق من الجهات الأربع. من جهة الشمال، حيث الطرق المؤدية إلى أطراف المدينة، ومن جهة الشرق، حيث الامتداد المفتوح الذي يسمح للمدرعات بالانتشار، ومن الجنوب والغرب حيث تُطبق الحلقة على الأحياء القديمة. كانت القذائف الأولى تسقط قرب حيّ البارودية، ثم تمتدّ نحو الكيلانية، وتزحف كالنار إلى الحاضر الكبير. لم تكن هناك إنذارات، ولا وقت للتفكير: البيوت الطينية العتيقة في الأزقة الضيقة ارتجّت كما لو أن التاريخ نفسه يُسحَب من أساساته.

في ذلك اليوم، 2 شباط/فبراير 1982، بدأت واحدة من أكثر صفحات التاريخ السوري قسوة، ما سيُعرف لاحقًا باسم مجزرة حماة. لم تكن المدينة ساحة معركة بالمعنى العسكري التقليدي؛ كانت مدينة مأهولة، بوجوهٍ تحفظ أسماء الجيران، وبنوافذ تُطلّ على ذاكرةٍ طويلة من السوق والجامع والحديقة والطفولة. لكن قرار الحصار والاقتحام حوّل الجغرافيا إلى مصيدة.

مع ساعات الصباح الأولى، انقطعت الكهرباء عن معظم الأحياء. سقطت خطوط الهاتف قبل أن تُنهي النساء مكالماتٍ مرتعشة مع أقارب في مدن أخرى. الدبابات التي تبيّن لاحقًا أنها تابعة لقوات يقودها تمركزت عند المداخل الرئيسية، تُغلق الشوارع الكبرى وتدفع الناس إلى الداخل، إلى متاهة الأزقة حيث لا ملجأ سوى جدرانٍ هشّة وسقوفٍ من خشبٍ قديم. في الحاضر الكبير، كان دخانٌ أسود يتصاعد من بيوتٍ أصابتها القذائف الأولى، وفي الحاضر الصغير، كانت أبواب تُكسر لأن خلفها عائلاتٍ لم تفهم بعد أن الصمت قد انتهى إلى زمنٍ طويل.

المدينة لم تكن تعرف أن الحصار سيستمر أيامًا طويلة. في اليوم الثالث، الخامس من شباط/فبراير، اشتدّ القصف على الأحياء القديمة: الحاضر الكبير، البارودية، الكيلانية، والسوق. كانت الأزقة الضيقة تجعل الانفجارات أقرب، والضغط أقسى، والهرب مستحيلًا. سقطت بيوتٌ بكاملها، لا لأن فيها مقاومين، بل لأن الخرائط العسكرية لا ترى في البيت سوى نقطة. الناس كانوا يُخرجون المصابين على أبواب المنازل، يلوّحون بقطع قماش بيضاء، ثم يعودون إلى الداخل حين لا يأتي الردّ إلا بصوتٍ أثقل. في الليل، كان العاصي يواصل جريانه الهادئ كأنه يرفض المشاركة في الضجيج، لكن ضفّتيه امتلأتا برائحة البارود وبكاءٍ مكتوم.

بحلول الأسبوع الثاني من شباط، كانت المدينة شبه معزولة عن العالم. لم يكن في الإمكان معرفة الأرقام، لكن الإحساس كان يُخبر بأن الموت صار إحصاءً يوميًا. المساجد التي كانت مراكز اجتماعٍ للحيّ تحوّلت إلى ملاجئ مؤقتة، ثم إلى نقاط قصف، ثم إلى أطلال. في بعض الأزقة، كان الناس يحفرون بأيديهم تحت الأنقاض بحثًا عن أصواتٍ خافتة، عن نفسٍ أخير، عن علامة حياة. وكانت الأخبار التي تتسرّب عبر من استطاعوا الخروج من المدينة تقول إن القيادة العليا في ، برئاسة ، قد أعطت الضوء الأخضر لعملية “سحق التمرّد” مهما كان الثمن. في لغة القرارات الباردة، لا مكان لأسماء الأطفال ولا لعدد الأرغفة المتبقية في البيوت المحاصرة.

في منتصف شباط/فبراير، حين اشتدّ القصف على الحاضر، تغيّرت ملامح المكان نفسه. أحياءٌ كانت تُعرَف بمآذنها الحجرية وأسواقها المسقوفة صار يُعرف عنها أنها “مناطق مهدّمة”. كان المشهد أقرب إلى مدينةٍ أُعيد رسمها بالقوة: شوارع جديدة تولد من بين الركام لأن الشوارع القديمة اختفت. ومع كل بيتٍ يسقط، كان يسقط تاريخٌ صغير: صور عائلية، دفاتر مدرسة، عطر امرأةٍ في زجاجة، كرسيٌّ خشبيٌّ كان يضع عليه رجلٌ مسنٌّ قبعته كل مساء.

لم تنتهِ المأساة في يومٍ واحد. استمرّ الحصار والاقتحام والقصف حتى أواخر شباط/فبراير 1982، ومعه استمرّ النزف البشري. التقديرات التي ستظهر لاحقًا ستختلف في الأرقام، لكن الاتفاق الوحيد كان على فداحة الخسارة: آلاف القتلى، أحياءٌ مُسحت، ومدينةٌ خرجت من تلك الأيام بذاكرةٍ مثقوبة. الناجون سيحملون تفاصيل لا تُحصى: صوت حذاءٍ عسكري على درجٍ ضيّق، رائحة الجير الرطب في ملجأٍ مؤقت، ارتعاش طفلٍ عند كل صوتٍ عالٍ بعد ذلك، إلى سنواتٍ طويلة.

وحين خفّ القصف، لم يأتِ السلام. جاء فراغٌ ثقيل. فراغُ البيوت التي فُتحت أبوابها على لا أحد، وفراغُ الشوارع التي تعلّمت الصمت. في الصباحات التالية، كانت الشمس تلمس حجارة المدينة بحذر، كأنها تخشى أن توقظ ما نام في الركام. حماة لم تعد هي نفسها؛ صارت مدينةً تعرف أن الماء يمكن أن يجري فوق ذاكرةٍ محروقة، وأن التاريخ لا يُكتب بالحبر فقط، بل أيضًا بالغبار والدمع، وأن الألم حين لا يجد لغةً كافية، يتحوّل إلى صمتٍ طويل، صمتٍ يطلب من كل من يمرّ قرب العاصي أن يُنصت جيدًا، لأن في هدير الماء بقايا أصواتٍ لم تُكمل حكايتها.

ما جرى في حماة في تلك الأيام ليس حدثًا معزولًا في سجلّ العنف، بل لحظة كاشفة عن كيف يمكن لقرارٍ سياسي-أمني مركزي أن يُحوِّل مدينة مأهولة إلى مساحة مدمّرة ماديًا ومكسورة معنويًا. الموضوعية هنا لا تعني تبرير ما حدث أو تمييع المسؤوليات، بل تعني الإقرار بأن العنف واسع النطاق ضد المدنيين يخلّف آثارًا طويلة الأمد على النسيج الاجتماعي والذاكرة الجماعية والعلاقة بين الدولة والمجتمع.
الدروس المؤلمة واضحة: الأمن الذي يُبنى على تدمير العمران والناس هشّ بطبيعته، والاستقرار المفروض بالقوة يظلّ مؤقتًا مهما طال. الطريق الأجدى—وإن بدا أصعب—هو حماية المدنيين بوصفهم خطًّا أحمر، وفتح مسارات للمساءلة والعدالة، لأن المدن لا تُشفى بالنسيان وحده، بل بالاعتراف، وبإعادة الاعتبار للإنسان الذي سُحقت حياته بين حسابات القوة.