--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

فخّ الهاوية: هل تدفع واشنطن إيران نحو الانكسار البطيء أم نحو الانفجار الكبير؟

Salah Kirata • ٢٧‏/٥‏/٢٠٢٦

35777.jpg

فخّ الهاوية: هل تدفع واشنطن إيران نحو الانكسار البطيء أم نحو الانفجار الكبير؟

بقلم: رؤية تحليلية سياسية ـ أمنية ـ عسكرية

من يراقب المشهد الأمريكي ـ الإيراني بعينٍ استراتيجية، يدرك أن ما يجري اليوم لا يشبه جولات الضغط السابقة، ولا يمكن اختزاله في لغة العقوبات التقليدية أو التهديدات الإعلامية المتبادلة. نحن أمام مرحلة مختلفة بالكامل؛ مرحلة تُدار فيها المعركة وفق عقيدة “الاستنزاف المركّب”، حيث تتحول أدوات الاقتصاد والطاقة والمعلومات والاستخبارات إلى أسلحة موازية للصواريخ والطائرات.

الإدارة الأمريكية، وخصوصاً في خطاب دونالد ترامب العائد إلى الواجهة بعقلية “الحسم بالقوة”، لا تتعامل مع إيران كخصم قابل للاحتواء، بل كمنظومة يجب إعادة تشكيل سلوكها الاستراتيجي بالكامل، ولو عبر دفعها إلى حافة الانهيار الداخلي. وهذا هو جوهر ما يمكن تسميته بـ”فخ الهاوية”؛ أي خلق بيئة ضاغطة تجعل طهران أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما التراجع عن عقيدتها الإقليمية، أو الدخول في مسار إنهاك طويل قد يهدد تماسك الدولة ذاتها.

اللافت أن واشنطن لم تعد تراهن على الحرب العسكرية الشاملة، لأنها تدرك أن أي مواجهة مباشرة ستشعل الإقليم بأكمله، وتهدد أسواق الطاقة والممرات البحرية، وقد تدفع الصين وروسيا إلى توسيع دائرة الاشتباك الدولي. لذلك اتجهت إلى نموذج أكثر دهاءً وأقل تكلفة: “الخنق البطيء”.

هذا النموذج يقوم على ثلاث ركائز متداخلة.

الأولى:

 إنهاك الاقتصاد الإيراني بصورة منهجية، ليس فقط عبر العقوبات، بل عبر تجفيف كل المنافذ التي تسمح لطهران بالتنفس المالي. لم يعد الهدف تقليص العائدات النفطية فحسب، بل تحويل أي جهة تتعامل مع النفط الإيراني إلى هدف للعقوبات أو العزل المالي. وهنا تكمن خطورة المشهد؛ لأن الحرب لم تعد على إيران وحدها، بل على شبكة المصالح الدولية التي تمنحها القدرة على الالتفاف.

الثانية: 

ضرب البيئة النفسية والسياسية الداخلية. فالحرب الحديثة لا تُخاض بالدبابات فقط، بل بإدارة الإدراك الجمعي. واشنطن تعلم أن أخطر ما يواجه النظام الإيراني ليس السلاح الخارجي، بل تآكل الثقة الداخلية نتيجة الضغط المعيشي والانقسام الاجتماعي والاختناق الاقتصادي. لذلك تتحول وسائل التواصل والفضاء الرقمي إلى ساحات اشتباك استخباراتي هدفها تضخيم الشعور بالأزمة وإبراز هشاشة الدولة أمام شعبها.

أما الركيزة الثالثة فهي:

 تحويل الملف النووي من ورقة ردع إلى عبء استراتيجي. فطهران كانت تعتقد أن رفع مستوى التخصيب يمنحها حصانة ضد أي استهداف، لكن القراءة الأمريكية الجديدة تعتبر أن الاقتراب من العتبة النووية يمنح واشنطن مبررات أوسع للتحرك العسكري أو الأمني. بمعنى آخر، لم يعد التخصيب أداة تفاوض، بل أصبح في نظر خصوم إيران “ملفاً جنائياً استراتيجياً” قابلاً للمعالجة بالقوة عند الضرورة.

لكن، وعلى الرغم من هذه الصورة التي تبدو محسومة لصالح واشنطن، فإن القراءة العسكرية الباردة تكشف أن الولايات المتحدة نفسها تتحرك بحذر شديد. فإيران ليست فنزويلا، ولا العراق قبل 2003. إنها دولة تمتلك شبكة أذرع إقليمية واسعة، وقدرات صاروخية غير بسيطة، وخبرة طويلة في الحروب غير المتكافئة. كما أن لديها قدرة حقيقية على تهديد الممرات البحرية الحساسة، خصوصاً في مضيق هرمز، حيث تمر نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية.

ومن هنا :

فإن أخطر ما تخشاه مراكز القرار الغربية ليس قوة إيران التقليدية، بل “رد الفعل غير المحسوب”. فالدول التي تشعر بأنها تُدفع نحو الزاوية قد تلجأ إلى خيارات عالية المخاطر لتغيير قواعد اللعبة. أي خطأ في الحسابات، أو أي احتكاك ميداني في الخليج أو العراق أو البحر الأحمر، قد يحول سياسة الضغط إلى مواجهة مفتوحة يصعب التحكم بمسارها...

في المقابل:

تبدو طهران أمام معضلة استراتيجية حقيقية. فهي لا تستطيع التراجع الكامل، لأن ذلك سيُفسَّر داخلياً وإقليمياً كاعتراف بالهزيمة، وفي الوقت نفسه لا تملك رفاهية الاستمرار في الاستنزاف إلى ما لا نهاية، لأن الاقتصاد الإيراني بدأ يلامس حدود الإنهاك البنيوي، وهو ما ينعكس مباشرة على المزاج الشعبي وعلى قدرة الدولة في تمويل نفوذها الخارجي.

السيناريو الأكثر ترجيحاً خلال المرحلة المقبلة ليس الحرب الشاملة، بل استمرار “الغليان المضبوط”...

 أي إبقاء إيران تحت ضغط دائم، مع السماح بهوامش محدودة تمنع الانفجار الكامل، بانتظار لحظة تُفرض فيها تسوية بشروط أمريكية أكثر قسوة. غير أن هذا السيناريو يبقى محفوفاً بالمخاطر، لأن الشرق الأوسط تاريخياً لا يخضع دائماً للحسابات العقلانية الباردة، بل كثيراً ما تنفجر حروبه نتيجة حادث صغير أو قرار انفعالي أو سوء تقدير استخباراتي...

لذلك فإن مراقبة الأسابيع والأشهر المقبلة يجب أن تتركز على ثلاثة مؤشرات أساسية: أولها:

 مسار التجارة النفطية الإيرانية مع الصين، لأنها تمثل شريان الحياة الاقتصادي الأخير لطهران. وثانيها:

طبيعة الاحتجاجات الداخلية، وهل ستبقى ذات طابع معيشي أم ستتحول إلى تحدٍ سياسي مباشر للنظام...

 أما المؤشر الثالث، والأكثر حساسية، فهو: سلوك الحرس الثوري في مياه الخليج ومضيق هرمز، لأن أي تغيير في قواعد الاشتباك هناك سيكون رسالة استراتيجية تتجاوز حدود المنطقة...

الخلاصة :

أن المواجهة الحالية ليست مجرد أزمة عابرة بين دولتين، بل صراع على شكل النظام الإقليمي القادم. واشنطن تريد شرق أوسط تُعاد هندسته أمنياً بعيداً عن النفوذ الإيراني، بينما ترى طهران أن أي تراجع اليوم قد يعني بداية النهاية لمشروعها الممتد منذ عقود...

ولهذا تحديداً، فإن المنطقة تقف أمام لحظة شديدة الخطورة؛ لحظة تختلط فيها الحسابات العسكرية بالاقتصاد، والاستخبارات بالنفسية الجماعية، والردع بحافة الانهيار. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال: من الأقوى؟ بل من يستطيع الصمود أكثر دون أن يرتكب الخطأ القاتل.