
في سورية… حين تُستبدل المعارك الحقيقية بجدلٍ مُصطنع:
في سورية اليوم، لا يحتاج الناس إلى من يشرح لهم حجم أزمتهم. الواقع يتكلم بوضوح: دخلٌ لا يكفي، أسعار تتصاعد بلا توقف، وخدمات تتراجع إلى حدودها الدنيا. ومع ذلك، يُدفع النقاش العام في اتجاه مختلف تماماً، بعيداً عن هذه الحقائق الثقيلة، نحو قضايا يُراد لها أن تبدو وكأنها جوهر المشكلة.
ما جرى مؤخراً في دمشق من طرح قضية حظر الكحول، وما رافقها من تعبئة وشعارات، ليس حدثاً معزولاً عن السياق العام. بل يعكس توجهاً أعمق لإعادة ترتيب أولويات النقاش داخل المجتمع السوري. فجأة، يُطلب من الناس أن ينشغلوا بسلوك فردي، بينما يواجه معظمهم صعوبة في تأمين أبسط متطلبات الحياة.
في بلدٍ تشير فيه التقديرات إلى أن الغالبية الساحقة من السكان تعيش تحت ضغط اقتصادي خانق، يصبح من المشروع التساؤل: هل هذه هي المعركة التي يجب أن تُخاض الآن؟ وهل تحسين حياة الناس يبدأ من هنا فعلاً؟
المشكلة لا تكمن في النقاش بحد ذاته، بل في الطريقة التي يُقدَّم بها. إذ يُعاد تصوير المشهد وكأنه صراع بين “مدافعين عن الأخلاق” و”مروّجين للفساد”. هذا التقسيم الحاد لا يعكس الواقع بقدر ما يخلق انقساماً داخل المجتمع السوري، ويحوّل الأنظار بعيداً عن الأسئلة الأكثر إلحاحاً: من المسؤول عن هذا التدهور؟ وما هي الحلول الفعلية له؟
وفي الوقت الذي تتحدث فيه الخطابات الرسمية عن تحسن اقتصادي، يعيش المواطن السوري واقعاً مختلفاً تماماً. الرواتب لا تغطي الحد الأدنى من المعيشة، والقدرة الشرائية تتآكل باستمرار. هذه الفجوة بين الخطاب والواقع لم تعد خافية على أحد، بل أصبحت جزءاً من المشكلة نفسها.
وإذا كان لا بد من الحديث عن “الخلل”، فالسؤال الأهم هو: أين يكمن فعلاً؟
هل هو في خيارات فردية محدودة التأثير، أم في منظومة كاملة أنتجت الفقر، ووسّعت الفوارق، وأضعفت ثقة الناس بكل ما يصدر عنها؟
هنا يطرح سؤالا ملحا نفسه بقوة وهو :
كيف يمكن الحديث عن حماية “الأخلاق العامة”، بينما تبقى قضايا تمسّ السيادة والكرامة الوطنية دون موقف صريح؟ هذا التناقض لا يمكن تجاهله، لأنه يكشف خللاً في ترتيب الأولويات، لا في القيم نفسها.
وفي ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة، من المفترض أن يكون هناك نقاش وطني جاد حول موقع سورية في هذه التحولات، وحول كيفية حماية المجتمع من تداعياتها. لكن ما يحدث هو العكس تماماً: انشغال بقضايا فرعية، وغياب للنقاشات التي تمسّ مستقبل البلاد بشكل مباشر.
الحقيقة التي يدركها السوريون اليوم، أكثر من أي وقت مضى، هي أن الأزمات لا تُحل بالشعارات، ولا بإعادة تعريفها. فالفقر، والفساد، وغياب العدالة، ليست تفاصيل يمكن تجاوزها، بل هي جوهر المشكلة.
لذلك، فإن أي خطاب أخلاقي لا يبدأ من هذه النقاط، يبقى ناقصاً، بل وقد يتحول إلى أداة لتغطية الواقع بدلاً من تغييره.
في النهاية، القضية في سورية ليست في سلوك فردي هنا أو هناك، بل في سؤال أكبر بكثير: كيف يمكن إعادة توجيه الاهتمام نحو ما يمس حياة الناس فعلاً؟
لأن الإجابة عن هذا السؤال هي وحدها التي يمكن أن تفتح باب الخروج من الأزمة، أما ما عدا ذلك، فليس سوى دوران في حلقة لا تنتهي.