
في سورية… سقوط الادّعاء قبل سقوط الأنظمة:
في سورية، لا تدور المسألة حول السلطة الجديدة ولا حول خياراتها في القبول أو الرفض؛ فهذه جهة يُتوقّع منها كل شيء. إنما بيت القصيد في أولئك الذين كانوا بالأمس أدوات بطش، ثم ما لبثوا أن عادوا اليوم زاحفين على أكواعهم وركبهم، يلتمسون لأنفسهم موقعاً في واقع جديد كانوا يهاجمونه بلا هوادة.
هنا لا اعتراض على من يستقبلهم، بل على هذا المشهد بحد ذاته: كيف ينقلب الإنسان على تاريخه بهذه الخفة؟ كيف لمن مارس العنف واصطف في صف القمع أن يتوسل اليوم موضع قدم، متخلياً عن كل خطاب سابق، وكأن الذاكرة يمكن شطبها بكلمة، أو استبدالها بانحناءة؟
في سوريا، لا نرى مجرد تبدّل ولاءات، بل انهياراً كاملاً في المعنى. حين يغيب المبدأ، يصبح الزحف خياراً مقبولاً، ويغدو التناقض أسلوب حياة. هؤلاء لا يبدّلون مواقعهم فقط، بل يبدّلون وجوههم وفق الحاجة، دون أدنى شعور بثقل ما اقترفوه أو قالوه.
الخطورة ليست في وجودهم وحده، بل في الظاهرة التي يمثلونها: جمهور مستعد للانحناء في أي اتجاه، وطابور ينتظر لحظة الانقضاض ليعيد تموضعه، بلا قيد أخلاقي أو وازع ذاتي.
ليست القضية إذن من يفتح لهم الباب، بل لماذا يصرّون هم على الدخول بهذه الصورة المهينة. فالتاريخ لا يرحم من يبدّل جلده كلما تغيّر المشهد، ولا يمنح شرعية لمن فقد أساسه منذ البداية.