
في تلك السنوات، لم تكن الحماية تُرى… بل كانت تُحَسّ :
كنا، سواء كنّا في موقع من يحمي أو في موقع من يُحمى، نعرف أن العيون سبقتنا إلى المكان، وأن الأقدام مسحت الطرقات قبل أن يطأها اي مواكبن، كانوا ينتشرون بهدوء يشبه الهواء؛ لا أحد يلحظهم، ولا أحد يشك بوجودهم، بائع خضرة يرصّ بندورته بعناية زائدة، عامل نظافة يكنس الرصيف بإيقاع ثابت، شاب يلتهم سندويشته على عجل وهو يراقب انعكاس الزجاج في الواجهات… كل واحد منهم يبدو عادياً حدّ الابتذال، لكن الخيط الخفي كان يشدّهم جميعاً إلى نقطة واحدة.
حتى من كان يُضمر شراً، كان يقع في المصيدة قبل أن يمدّ يده، لأنه لم يكن يرى أمامه سوى حياة طبيعية، خالية من التوتر، بلا مظاهر استنفار أو استعراض، كان الأمن يومها حِرفة صامتة، لا تُعلن عن نفسها، ولا تتباهى بعددها، ولا تُغرق الشوارع بالسيارات الداكنة والزجاج المعتم. كان يُنجز مهمته ثم يختفي، كما لو أنه لم يكن...
اليوم، وأنا أراقب مشاهد ( الفخفخة ) التي ترافق بعض المسؤولين، أتذكر تلك الأيام، أتذكر كيف كنا نعدّ المبالغة ضعفاً، والاستعراض ثغرة، والضجيج إعلان خوف، ما نراه الآن من كثافةٍ في المواكب، ومن مباشرةٍ في الانتشار، ومن ترفٍ في التفاصيل، لم يكن مألوفاً بذلك الشكل، يوم انتقدنا هذا المشهد مع السيد محافظ دمشق، ثم تكرر المشهد مع وزير الأوقاف، لم يكن اعتراضنا على الحماية بحد ذاتها، بل على تحويلها إلى عرضٍ مسرحي...
هناك مثلٌ شعبي سوري كان يتردد في أذهاننا كلما رأينا هذا السلوك هو :
( عديم وقع بسلةتين )...
عبارة تُقال حين يختلط شيء في غير موضعه، أو حين يحاول من لا وزن له أن يصنع لنفسه وقعاً مصطنعاً. .
كم مرة شددنا على كفّ يد أحدهم، إشارةً صامتة تكفي لإصدار أمر دون كلمة، وكم مرة ضغطنا بأسناننا على شفاهنا السفلى لنمنع شاباً متحمساً من أن ينسى نفسه، فيُظهر ما لا ينبغي أن يُرى، كانت الإشارة تكفي، وكان الصمت أبلغ من الخطب...
لكل زمانٍ دولته ورجاله نعم ولكل وقتٍ أذانه الذي يعلو فيه الصوت المناسب...
وسورية، في كل حالاتها، أكبر من أشخاصها، أكبر من مسؤولٍ يعبر شارعاً بمرافقةٍ صاخبة، وأكبر من وزيرٍ تُفرَش له الطرقات بكاميرات وهواتف، فسورية التي نعرفها لا تُقاس بعدد السيارات في الموكب، بل بطمأنينة الناس في الأزقة، ولا تُحمى بالمبالغة، بل بالحكمة...
وكان الله في عون سورية والسوريين…
أولئك الذين لا يفرّق بينهم عرقٌ ولا دين، والذين يرون في هذا الوطن بيتاً لا غنيمة، أما الذين يتعاملون معه كغبارٍ على جبينه، فالغبار مهما علا، لا بد أن يسقط ذات يوم...
وأخيراً، يتسلل إلى الذهن سؤالٌ بسيط، لكنه ثقيل :
- هل يمكن أن يخطر ببال سوريٍّ واحد أن يزهق روحه أو روح غيره من أجل اغتيال وزيرٍ عابر في زمنٍ عابر؟..
- أي مقامٍ هذا الذي يستحق أن تُراق لأجله الدماء؟..
في النهاية :
يبقى الوطن…
وتبقى الحكايات شاهدة على الفرق بين من كان يعمل في الظل، ومن أحبّ أن يقف تحت الضوء.