
حافظ الأسد مسؤول عن الجريمة السورية الكبرى ؟!.
أقسم، وأنا أكتب هذه الكلمات، أنني وضعت عواطفي كلها في الثلاجة، وأغلقت عليها الباب بإحكام، ووضعت في بطني بطيخة صيفي حتى لا يتهمني أحد بأنني أكتب بانفعال أو بثأر شخصي أو بردة فعل عاطفية، لم أحضر معي إلى هذه السطور إلا ضميري وقلمي، وتركت كل شيء آخر خارج النص. لا حقد شخصياً هنا، ولا رغبة في تصفية حساب، بل محاولة صادقة لوضع الإصبع على الجرح السوري الحقيقي، مهما كان مؤلماً، ومهما كانت كلفته المعنوية والسياسية...
والنتيجة التي خرجت بها، بعد طول تأمل ومراجعة ومصارحة مع النفس قبل مصارحة الآخرين، هي أن حافظ الأسد أجرم بحق سورية كلها، لا بحق خصومه فقط، ولا بحق فئة دون أخرى، بل بحق وطن كامل وشعب كامل وتاريخ كامل ومستقبل كامل...
هذه ليست عبارة إنشائية، ولا حكماً انفعالياً، بل خلاصة مسار طويل من الوقائع المتراكمة التي لا يمكن فصل بعضها عن بعض، ولا يمكن تبرئة الرجل منها تحت أي ذريعة من ذرائع “المرحلة” أو “الضرورة” أو “المؤامرة” أو “القيادة التاريخية”...
البداية لم تكن عام 1970 كما يحب البعض أن يؤرخ، بل أبكر من ذلك بكثير، منذ تلك الحادثة التي تبدو صغيرة في ظاهرها، كبيرة في معناها، حين غاب عن زملائه الذين أوفد معهم إلى المملكة المتحدة ثلاثة أيام كاملة، ثم طوي الموضوع وكأنه لم يكن. في الدول المحترمة، وفي المؤسسات الجادة، مثل هذا السلوك يفتح أبواب المساءلة والتحقيق والشك المشروع، لكن في سورية كان الصمت هو الجواب، وكأن التمهيد للرجل بدأ مبكراً، وكأن هناك من قرر أن هذا الشخص يجب أن يمر مهما فعل...
ثم جاء اشتراكه في حركة 23 شباط 1966، تلك الحركة التي لم تكن مجرد انقلاب حزبي داخلي، بل كانت بداية انحدار خطير في بنية الدولة السورية، حين تحولت المؤسسة العسكرية من أداة حماية وطن إلى أداة صراع على السلطة، وتحول الحزب من إطار سياسي إلى جهاز إقصاء واستئصال. هناك بدأ منطق الغلبة لا الدولة، ومنطق التصفية لا الشراكة، ومنطق الولاء لا الكفاءة...
ثم جاءت الكارثة الكبرى:
ضياع القنيطرة في حرب حزيران 1967، والبلاغ رقم 66 الشهير الذي أعلن سقوط القنيطرة قبل سقوطها الفعلي، وهنا أنا لا أتحدث عن خطأ عسكري عابر، بل عن فعل سياسي وعسكري وأخلاقي بالغ الخطورة، فعندما يُعلن سقوط مدينة قبل سقوطها، فإنك لا تسقطها عسكرياً فقط، بل تسقطها معنوياً ونفسياً ووطنياً، كون من آثار أو تداعيات هذا البلاغ ان الجنود ينهارون، القيادة تتفكك، الجبهة تتهاوى، والعدو لا يحتاج بعد ذلك إلى كثير جهد...
حافظ الأسد لم يكن شاهداً على سقوط القنيطرة، بل كان شريكاً مباشراً في صناعة هذه الهزيمة، على الأقل من حيث المسؤولية السياسية والعسكرية والمعنوية. ومع ذلك، طوي الموضوع أيضاً، لا محاسبة، لا مساءلة، لا محكمة، لا حتى اعتراف واضح. بل بالعكس، تحول الرجل لاحقاً إلى بطل قومي، ثم إلى “قائد المسيرة”، ثم إلى “بطل التشرينين”، وكأن التاريخ السوري كتب بالحبر الرسمي لا بالدم الحقيقي...
رفاقه في الحزب، في القيادتين القومية والقطرية، أدرك بعضهم خطورة ما حدث، وكان هناك توجه فعلي لمحاسبته، بل وحتى لفصله هو ومصطفى طلاس من الحزب بسبب مسؤولية سقوط القنيطرة، المؤتمر القطري العاشر الاستثنائي ناقش فعلاً شيئاً من هذا، وكانت هناك إرادة داخلية لكبح هذا الصعود الخطير، لكن الرجل سبق الجميع، وانقلب على رفاقه قبل أن يحاسبوه...
(وهنا دخلنا في الجريمة الكبرى):
ما سمي لاحقاً “الحركة التصحيحية” لم يكن تصحيحاً لشيء، بل كان اختطافاً كاملاً للدولة السورية، انقلاب على الحزب، وعلى رفاق الحزب، وعلى المؤسسة العسكرية، وعلى الحياة السياسية كلها. مناضلون وقياديون انتهى بهم الأمر في السجون حتى الموت، لا لأنهم خانوا الوطن، بل لأنهم وقفوا في وجه مشروع الاستفراد المطلق بالسلطة...
صلاح جديد، نور الدين الأتاسي، يوسف زعين، وغيرهم كثيرون، لم يسقطوا لأنهم أضعف سياسياً فقط، بل لأن حافظ الأسد قرر أن سورية لا يجب أن يكون فيها إلا صوت واحد، ووجه واحد، وسقف واحد، وحاكم واحد...
ثم جاءت الجريمة الأعمق والأخطر، وهي اختطاف الطائفة العلوية نفسها:
هنا يجب أن نكون صريحين بلا نفاق، فحافظ الأسد لم يكن حامياً للطائفة العلوية كما روج، بل كان مختطفاً لها، لقد استخدم مخاوفها، واستثمر حساسياتها التاريخية، وربط مصيرها الشخصي بمصيره السياسي، حتى جعل كثيرين يظنون أن سقوطه يعني سقوطهم، وأن بقاءه هو ضمان بقائهم...
ومن خلال هذا الاختطاف، اختُطف الجيش، واختُطف الحزب، واختُطفت مؤسسات الدولة، اذ لم تعد الكفاءة هي المعيار، بل درجة القرب والولاء، ولم يعد الوطن هو المرجع، بل النظام، ولم يعد القانون هو السيد، بل التعليمات الأمنية...
وهكذا صار “قائد المسيرة”، وصار “القائد الخالد”، وصار “باني سورية الحديثة”، وصارت البلاد كلها مزرعة سياسية مغلقة، يورث فيها الحكم كما تورث العقارات، ويعامل الشعب فيها كرعية لا كمواطنين...
والأخطر من ذلك أن حافظ الأسد يتحمل أيضاً مسؤولية تشويه كبار القادة العسكريين والأمنيين من أبناء الطائفة العلوية، الذين تحولوا لاحقاً إلى أدوات بطش وقمع وفساد. هؤلاء لم يولدوا جميعاً مجرمين بالفطرة، ولم يولدوا جميعاً بلا ضمير أو بلا وطنية، لكن الرجل عرف كيف يلعب على العواطف، وكيف يغرقهم عمداً في ملذات السلطة ونعيم الامتيازات، وكيف يجعل مصالحهم مرتبطة ببقاء النظام، لا ببقاء الوطن...
غُسلت الأدمغة بالتدريج، وحُيّدت الضمائر بالتدريج، حتى صار كثير منهم يرى في حماية الكرسي حماية للطائفة، وفي حماية الطائفة حماية لنفسه، وفي حماية نفسه مبرراً لكل شيء:
القمع، والقتل، والفساد، والإذلال، وانتهاك الإنسانية ذاتها.
هكذا يُصنع الاستبداد الحقيقي، وليس فقط بالقوة، بل بإفساد النفوس:
وعندما وصل بشار الأسد إلى الحكم، لم يكن بداية جديدة، بل كان النتيجة الطبيعية للمشروع كله، بشار لم يصنع النظام، بل ورثه جاهزاً، بكل أجهزته، وعقيدته، وشبكاته، وخوفه، وفساده، وآلياته. .
نعم، بشار الأسد مجرم حرب، وكل من معه من أركان السلطة، من عاطف نجيب إلى أصغر جلاد في الأقبية الأمنية، هم مجرمو حرب ومرتكبو جرائم ضد الإنسانية، ولا يجوز تخفيف هذه الحقيقة أو تجميلها، إلا أن هؤلاء فاعلون ماديون مباشرون، مارسوا القتل والتعذيب والحصار والتجويع والتدمير بدون وعي كامل وبإرادة منقوصة أو مسلوبة وكل هذا كان منذ أن تم اختيارهم ومن ثم أعدادهم بطرائق حافظ الأسد الجهنيمة والغاية في الخسة والدونية...
لكن الفاعل المعنوي الحقيقي، المؤسس الفعلي لهذه الجريمة السورية الكبرى، هو حافظ الأسد:
فـــ:
-هو الذي بنى النظام الذي جعل كل هذا ممكناً...
- هو الذي أسس الدولة الأمنية...
- هو الذي حطم السياسة...
- هو الذي دمر المجتمع المدني...
- هو الذي ألغى فكرة المواطنة...
- هو الذي زرع الخوف بدل الثقة...
- هو الذي جعل الوطن رهينة للنظام...
- هو الذي جعل الجيش أداة حكم لا أداة دفاع...
- هو الذي حوّل الحزب إلى قفص...
- هو الذي جعل الطائفة درعاً بشرياً للحكم...
- هو الذي وضع سورية كلها على سكة الانفجار المؤجل...
ولذلك، عندما احترقت سورية، لم يكن الحريق مفاجأة، بل كان النتيجة المنطقية لعقود طويلة من البنزين السياسي والاجتماعي والأمني الذي سكب بصبر وبرودة أعصاب...
بشار أشعل النار، نعم:
لكن حافظ الأسد هو من بنى البيت من مواد قابلة للاشتعال...
ولهذا أقول بوضوح كامل:
من حرق سورية وقتل أهلها ليس بشار وحده، بل إن بشار وكل من معه كانوا منفذين مباشرين، أما الفاعل المعنوي الأول، والمؤسس الحقيقي لهذه الجريمة التاريخية، فهو حافظ الأسد، حتى وهو في قبره...
هذه ليست شتيمة، بل حكم تاريخ، والتاريخ، مهما تأخر، لا ينسى.