
هدنة تحت النار… كيف تُدار “حرب الهدنة” في المثلث الإيراني – الإسرائيلي – الأميركي؟
ما يجري اليوم في الإقليم لا يمكن وصفه لا بحرب مفتوحة كاملة ولا بسلام هش، بل بمنظومة إدارة صراع معقدة تقوم على ما يمكن تسميته فعليًا بـ“حرب الهدنة”: أي أن وقف النار لا يعني توقف الحرب، بل يعني انتقالها إلى شكل آخر أكثر ضبطًا وأشد خطورة في آن واحد.
في العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تبدو “الهدنة” غير المعلنة أشبه بتفاهم على سقف الاشتباك: لا حرب شاملة مباشرة، لكن عمليات محسوبة، رسائل نارية، وضربات محدودة تُبقي التوتر في مستوى قابل للسيطرة. هذا النوع من التوازن لا يقوم على الثقة، بل على اختبار دائم لحدود الردع.
في هذا الإطار، أي تهديد معلن أو عملية عسكرية لا يُقرأ بوصفه حدثًا منفصلًا، بل كجزء من معادلة ردع متبادل: إيران تردع عبر أذرعها الإقليمية وقدراتها الصاروخية، وإسرائيل ترد عبر استهدافات موضعية ورسائل استخباراتية، فيما تبقى واشنطن في موقع إدارة السقف ومنع الانفجار الشامل دون أن تعني ذلك إنهاء جذور الصراع.
أما على الجبهة اللبنانية–الإسرائيلية، فإن الاشتباك بين «حزب الله» وإسرائيل يقدم النموذج الأكثر وضوحًا لهذه “الهدنة المسلحة”. فالحرب لم تتوقف فعليًا منذ سنوات، لكنها لم تتحول إلى حرب شاملة. هناك قتال شبه يومي منخفض الوتيرة: ضربات، ردود، اغتيالات، واستهدافات دقيقة، كلها تدور داخل قواعد اشتباك غير مكتوبة لكنها مفهومة للطرفين.
خطورة هذا النمط أنه يخلق وهم السيطرة. كل طرف يعتقد أنه يمسك بزمام التصعيد، بينما الحقيقة أن أي خطأ حسابي أو عملية غير محسوبة قد تقلب هذا التوازن الهش إلى مواجهة واسعة لا يرغب بها أحد نظريًا، لكن الجميع يشارك عمليًا في بناء شروطها.
في هذا السياق، تصبح التصريحات السياسية جزءًا من ساحة المعركة. فكل تهديد أو تلميح أو خطاب “طمأنة مشروطة” ليس مجرد كلام، بل رسالة اختبار: إلى أين يمكن دفع الخصم دون كسر قواعد اللعبة؟ وما هو الحد الذي إذا تجاوزه أحد الأطراف تنفجر المعادلة بالكامل؟
المشكلة الجوهرية في هذا النموذج ليست في وجود الردع، بل في اعتماده على إدارة دائمة للأزمة بدل حلها. فـ“هدنة الحرب” هنا ليست خطوة نحو الاستقرار، بل آلية لتأجيل الانفجار مع إعادة توزيع نقاط القوة على الأرض.
وبينما تبدو هذه الحالة للبعض شكلًا من “الاستقرار النسبي”، فهي في حقيقتها استقرار تحت التهديد المستمر، حيث تُدار المنطقة على حافة النار، لا بعيدًا عنها.
في النهاية، ما يسمى “حرب الهدنة” في هذا الإطار ليس مفهومًا نظريًا، بل توصيف دقيق لواقع إقليمي قائم: لا حرب شاملة، ولا سلام، بل صراع مُجمّد جزئيًا، قابل في أي لحظة لأن يتحول من إدارة محسوبة للتوتر إلى انفجار واسع لا يمكن ضبط مساره.