
هل بدأت واشنطن تفقد قدرتها على قيادة النظام الدولي؟
في لحظة تبدو مفصلية في توازنات العالم، يطفو إلى السطح جدل واسع حول ما إذا كانت السياسات الأمريكية الأخيرة، في ظل إدارة دونالد ترامب، قد ساهمت في تقويض الدور التقليدي للولايات المتحدة كقوة قائدة للنظام الدولي.
فوفقاً لقراءات نقدية في الإعلام الأمريكي، لم تكن المواجهة مع إيران مجرد اختبار عسكري محدود، بل تحولت إلى مرآة عكست اختلالات أعمق في التفكير الاستراتيجي الأمريكي، وفي طريقة إدارة الصراع على مستوى عالمي شديد التعقيد.
أول مظاهر هذا الاختلال تمثّل في إعادة تشكيل معادلات الطاقة العالمية بشكل غير متوقع. فبدلاً من ضمان انسيابية الملاحة في الممرات الحيوية، بدا أن التصعيد منح الخصوم أدوات ضغط منخفضة التكلفة وعالية التأثير، جعلت الأسواق العالمية أكثر هشاشة أمام التهديدات غير التقليدية. وهنا لم تعد القوة العسكرية التقليدية وحدها كافية لضبط الإيقاع، بل ظهرت قدرة أطراف أقل تكلفة تسليحياً على إرباك منظومة الطاقة الدولية.
أما النقطة الثانية فتتعلق بصورة القوة الأمريكية ذاتها. فقد كشفت التطورات الميدانية، بحسب محللين عسكريين، عن فجوة بين حجم الإنفاق الدفاعي الهائل والقدرة على إدارة صراع طويل الأمد بكفاءة مستدامة. فتكلفة استخدام منظومات التسليح المتقدمة بدت في بعض السيناريوهات غير متوازنة مع طبيعة التهديدات منخفضة الكلفة، ما فتح نقاشاً داخلياً حول جدوى نمط الاستنزاف العسكري في حروب غير تقليدية.
وفي مستوى ثالث، برزت إشكالية التحالفات الدولية. فبدلاً من اصطفاف جماعي تقليدي خلف واشنطن، ظهرت ترددات واضحة لدى عدد من الحلفاء في الانخراط المباشر في مواجهات مفتوحة، وهو ما يعكس تحولاً تدريجياً في مفهوم الالتزام داخل المعسكر الغربي، وتزايد النزعة نحو حماية المصالح الوطنية الضيقة على حساب الاستراتيجيات الجماعية.
لكن الجانب الأكثر حساسية في هذا الجدل يرتبط بالبُعد القيمي. إذ يرى منتقدون أن اللغة السياسية المتشددة في لحظات التصعيد، وما رافقها من خطاب يبتعد عن منطق الضبط الدبلوماسي، ساهمت في إضعاف الصورة التقليدية للولايات المتحدة كقوة تدّعي قيادة نظام دولي قائم على القواعد. هذا التحول، حتى لو كان خطابياً في جزء كبير منه، ينعكس على المدى البعيد في رصيد الشرعية الأخلاقية الذي اعتمدت عليه واشنطن لعقود.
في المحصلة، لا يبدو السؤال اليوم متعلقاً بهزيمة أو نصر عسكري مباشر، بقدر ما هو متعلق بمرحلة انتقالية في طبيعة القوة العالمية نفسها. فالعالم يتجه تدريجياً من هيمنة قطب واحد قادر على فرض الإيقاع، إلى نظام أكثر تشتتاً، حيث تتوزع أدوات التأثير بين قوى متعددة، بعضها تقليدي وبعضها غير تقليدي.
وهكذا، فإن الجدل الحقيقي لا يدور حول "نهاية" قيادة أمريكية للعالم، بل حول إعادة تعريف هذه القيادة: هل ستبقى كما عرفها القرن العشرون، أم أنها تتغير تحت ضغط واقع دولي لم يعد يقبل الاحتكار؟