هل كانت سورية ساحة لتصفية الحسابات... أم لتصفية الجيوش والمقاتلين

Salah Kirata • ٢٠‏/٧‏/٢٠٢٦

59109.png


هل كانت سورية ساحة لتصفية الحسابات... 
أم لتصفية الجيوش والمقاتلين؟.

منذ اللحظة التي انزلقت فيها الأزمة السورية من الحراك السياسي إلى الصراع المسلح، راودتني قراءة مختلفة لما يجري على الأرض. قد يراها البعض امتداداً لما يُعرف بـ"نظرية المؤامرة"، لكنني لم أنظر إليها يوماً بهذه البساطة، بل رأيتها محاولة لقراءة الأحداث من خلال ربط الوقائع ببعضها، بعيداً عن التعامل مع كل حدث بوصفه واقعة منفصلة عن غيره...

كانت نقطة الانطلاق في هذه القراءة تقوم على فرضية مفادها أن العالم كان قد بلغ مرحلة لم يعد فيها قادراً على تحمل تمدد التنظيمات الإرهابية، ولا سيما التنظيمات الإسلامية المتشددة التي ضمت في صفوفها العرب الأفغان، وآلاف المقاتلين الأجانب الذين وفدوا من عشرات الدول تحت عناوين وشعارات مختلفة، ومن هنا تولد لدي انطباع بأن سورية تحولت إلى الساحة المثالية لتجميع هؤلاء جميعاً، لتكون ميدان معركة طويلة تُستنزف فيها هذه التنظيمات حتى النهاية...

لكنني كنت أعتقد دائماً أن هذه ليست سوى نصف الحقيقة، أما النصف الآخر، فكان يتعلق بالجيش العربي السوري نفسه. فهذا الجيش، بغض النظر عن الموقف من النظام السياسي الذي حكم سورية لعقود، ظل يمثل أحد أعمدة القوة العسكرية العربية، وكانت بصمته حاضرة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في كل مواجهة كبرى خاضها العرب مع إسرائيل، وهذه حقيقة تاريخية لا يلغيها الخلاف السياسي ولا تغيرها تبدلات المواقف...

ومن هنا ترسخت لدي قناعة بأن ما جرى في سورية حقق، وفق هذه القراءة، هدفين متوازيين في وقت واحد؛ فمن جهة تحولت البلاد إلى ساحة استقطبت آلاف المقاتلين المتشددين الذين انتهى معظمهم إلى حرب استنزاف طويلة، ومن جهة أخرى تعرض الجيش السوري نفسه لاستنزاف غير مسبوق، انتهى عملياً بإخراجه من معادلات الصراع الإقليمي، قبل أن يُحل لاحقاً مع وصول السلطة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع...

وعندما أنظر إلى المشهد العربي الأشمل، تبدو هذه الصورة أكثر ترابطاً، فالجيش المصري خرج من دائرة المواجهة المباشرة مع إسرائيل بعد اتفاقية كامب ديفيد، والجيش العراقي تلقى ضربة قاصمة بعد الغزو الأمريكي البريطاني للعراق، حيث قُتل الآلاف من ضباطه وجنوده، ثم صدر قرار الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر بحل المؤسسة العسكرية العراقية، قبل أن يأتي الدور على الجيش السوري الذي استنزفته الحرب سنوات طويلة، لينتهي هو الآخر إلى الحل بعد قيام السلطة الانتقالية...

ولعل ما يمنح هذه المقاربة قدراً أكبر من التأمل أن الجيوش المصرية والعراقية والسورية كانت تمثل، في مراحل مختلفة، العمود الفقري للقوة العسكرية العربية، ولا سيما في حرب تشرين عام 1973، الأمر الذي يجعل ما آلت إليه أوضاع هذه الجيوش الثلاثة يثير كثيراً من علامات الاستفهام، حتى وإن اختلفت التفسيرات حول أسباب ذلك...

واليوم تعود هذه القراءة إلى ذهني مع ما طرحه أحد المحللين، وهي معلومات لا أملك ما يؤكدها ولا ما ينفيها، ولذلك أتعامل معها بوصفها رواية تستحق التوقف عندها، لا أكثر...

فقد تحدث عن وجود فرقة عسكرية في سورية تحمل الرقم (84)، تنتشر على الحدود السورية اللبنانية، ويبلغ تعداد مقاتليها نحو ثمانية وثلاثين ألف مقاتل، قال إن معظمهم من الأجانب، وتتألف من ستة ألوية، بينها لواء متخصص بالقتال في الجبال، ولواءان للقتال داخل المدن، إضافة إلى وحدات للدبابات والمدفعية والمشاة، كما سمّى قائد هذه الفرقة...

ولا يتوقف حديثه عند توصيف هذه القوة، بل يذهب إلى أبعد من ذلك، إذ يزعم أن المهمة المنتظرة لها قد تكون دخول الأراضي اللبنانية للمشاركة في نزع سلاح حزب الله إذا ما اتُّخذ قرار بذلك...

وبحسب هذه الرواية، فإن الغاية لا تقتصر على إنهاء ملف سلاح الحزب، بل تمتد إلى استنزاف هذه القوة نفسها في مواجهة طويلة ودامية، بحيث ينتهي الطرفان إلى النتيجة ذاتها، أي إن القوة التي تضم، وفق الرواية، عدداً كبيراً من المقاتلين الأجانب، قد تجد نفسها أمام مصير لا يختلف كثيراً عن مصير آلاف المقاتلين الذين تدفقوا إلى سورية منذ منتصف عام 2011، عندما تحولت الأزمة السياسية إلى حرب مفتوحة، كما لا يختلف عن مصير الجيش السوري الذي أنهكته سنوات الاستنزاف قبل أن ينتهي إلى الحل...

وبعبارة أخرى:
 يرى أصحاب هذه القراءة أن السيناريو نفسه قد يعاد إنتاجه ولكن بأدوات مختلفة؛ ففي الأمس جرى استدراج آلاف المقاتلين الأجانب إلى الساحة السورية، فتحولت البلاد إلى ميدان استنزاف طويل انتهى بإضعاف تلك التنظيمات وباستنزاف الجيش السوري في الوقت نفسه، أما اليوم، فإذا صحت هذه الرواية، فقد يكون المشهد نفسه مرشحاً للتكرار عبر قوة جديدة تدخل مواجهة أخرى على الأرض اللبنانية، لتنتهي، هي والطرف الذي ستقاتله، إلى استنزاف متبادل يخرج الجميع من المشهد...

وبطبيعة الحال:
يبقى كل ذلك في إطار التحليل والروايات المتداولة التي لا يمكن التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية قبل أن تسندها الأدلة والوقائع الموثقة. غير أن مجرد تداول مثل هذه الروايات يعكس حجم التعقيد الذي وصلت إليه المنطقة، ويكشف حجم التشابك بين الحسابات الإقليمية والدولية التي جعلت من سورية، طوال السنوات الماضية، ساحة تتقاطع فوقها مشاريع متعددة، لا علاقة لكثير منها بالمصلحة السورية...

لقد أثبتت التجربة أن الدول الكبرى لا تدير صراعاتها بمنطق المبادئ، بل بمنطق المصالح. فهي لا تتردد في توظيف الجيوش النظامية حيناً، والتنظيمات المسلحة حيناً آخر، ثم لا تجد حرجاً في التخلي عن الجميع عندما تنتهي أدوارهم أو تتبدل أولوياتها...

ولذلك:
فإن هذه القراءة، سواء أثبتت الأيام دقة بعض تفاصيلها أو كشفت خطأ بعضها الآخر، تظل محاولة لفهم ما جرى من زاوية أوسع من الحدث اليومي. أما الحقيقة التي لا يكاد يختلف عليها اثنان، فهي أن سورية دفعت ثمناً بالغ القسوة، وأن شعبها، وجيشها، ومؤسساتها، كانوا الخاسر الأكبر في واحدة من أعقد الحروب التي عرفها الشرق الأوسط في تاريخه الحديث...

وربما يكون الدرس الأهم الذي ينبغي أن يبقى حاضراً في أذهان الجميع هو أن الأوطان تتحول إلى ضحايا عندما تصبح ساحات لتنفيذ مشاريع الآخرين. وعندما يغيب القرار الوطني المستقل، تصبح الجيوش والشعوب وقوداً لصراعات لا تصنعها، بينما يجني ثمارها لاعبون يقفون بعيداً عن ميادين النار. والتاريخ، في النهاية، لا يرحم الدول التي تفقد قدرتها على حماية سيادتها، ولا يغفر للشعوب التي تسمح بأن تتحول أوطانها إلى مسارح لحروب الآخرين.