
هل ما يجري حرب مباشرة؟ تفكيك دقيق لطبيعة المواجهة بين واشنطن وتل أبيب وطهران:
يُثار سؤال جوهري اليوم: هل ما يجري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يمكن تصنيفه كـ«حرب مباشرة»؟ الإجابة ليست بسيطة، لأن ما نشهده يقف في منطقة رمادية بين الحرب المعلنة والحرب غير التقليدية، حيث تتداخل أدوات القوة الحديثة مع قواعد الاشتباك غير المعلنة.
التعريف الكلاسيكي لـ«الحرب المباشرة» يقوم على عنصرين أساسيين: أولًا، إعلان رسمي أو اعتراف واضح بالحرب بين دولتين أو أكثر، وثانيًا، انخراط جيوش تلك الدول بشكل مباشر ومكثف في عمليات قتالية متبادلة على الأرض أو في الجو أو البحر، ضمن إطار اشتباك واسع ومستمر. بهذا المعنى، الحرب المباشرة ليست مجرد ضربات متفرقة، بل مواجهة مفتوحة تتجاوز حدود الرسائل والعمليات المحدودة.
إذا طبقنا هذا التعريف على ما يجري، نلاحظ أن الصورة أكثر تعقيدًا. فهناك بالفعل تصعيد عسكري واضح، وضربات متبادلة، واستخدام للقوة الجوية والبحرية، وربما عمليات استخباراتية وهجمات غير تقليدية. لكن، في الوقت نفسه، لا يوجد إعلان حرب رسمي، ولا تعبئة شاملة للجيوش، ولا انتقال كامل إلى نمط الحرب المفتوحة التي تُخاض فيها المعارك على نطاق واسع وبأهداف احتلال أو إسقاط مباشر.
ما يحدث أقرب إلى ما يمكن تسميته بـ«حرب ظل متصاعدة» أو «حرب محدودة متعددة الطبقات». الولايات المتحدة وإسرائيل تستخدمان أدوات ضغط عسكرية وسياسية وأمنية محسوبة، بينما ترد إيران عبر شبكة من الردود المباشرة وغير المباشرة، تشمل أحيانًا استهدافات محددة، وأحيانًا عبر حلفائها الإقليميين. هذا التداخل يخلق انطباعًا بحرب شاملة، لكنه في الواقع نظام اشتباك مضبوط بإيقاع دقيق، هدفه الضغط دون الانفجار الكامل.
لكن هذا لا يعني أن الخطر غير موجود. بل على العكس، هذا النوع من المواجهات هو الأخطر، لأنه يعمل على حافة الانزلاق. فكل طرف يختبر حدود الآخر، وكل ضربة تحمل رسالة ردع، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام رد فعل قد يخرج عن السيطرة. وهنا تكمن المفارقة: كلما بدت الحرب «غير مباشرة»، كانت قابليتها للتحول إلى حرب مباشرة أشد ارتفاعًا.
الولايات المتحدة تدرك هذا الخطر، ولذلك تحاول إبقاء المواجهة ضمن إطار «الردع المسيطر عليه». فهي لا تريد حربًا شاملة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن يظهر خصمها بمظهر القادر على تجاوز الخطوط الحمراء دون رد. أما إسرائيل، فتدفع باتجاه رفع مستوى الاشتباك عندما ترى أن التهديد يقترب من نقاط تعتبرها حساسة وجوديًا. أما إيران، فتعمل ضمن معادلة دقيقة: الرد دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، والحفاظ على القدرة على الاستمرار في المواجهة دون استنزاف استراتيجي كامل.
في ضوء ذلك، يمكن القول إن ما يجري يقترب من الحرب المباشرة من حيث شدة التصعيد، لكنه لم يعبر بالكامل إلى تعريفها الكلاسيكي. إنه صراع مفتوح، عالي الكثافة، متعدد الجبهات، لكنه لا يزال حتى الآن محكومًا بقواعد غير مكتوبة تمنع تحوله إلى حرب شاملة.
غير أن هذه القواعد ليست ثابتة. فالتاريخ يعلّمنا أن الحروب لا تبدأ دائمًا بإعلان، بل أحيانًا تنزلق من هذا النوع من المواجهات التدريجية إلى صراع مفتوح، عندما يفشل الردع، أو يختل التوازن، أو يُرتكب خطأ حسابي واحد. وهنا تكمن اللحظة الفاصلة: بين حرب تُدار، وحرب تنفلت.